أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

125

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

هذا فألفه للتأنيث ، كألف سكارى ، وأسارى ، فمن ثم لم ينصرف . وقيل : هو اسم جمع ، لأن « فردا » لا يجمع على « فُرادى » ، وقول من قال : أنه جمع له ، فإنما يريد في المعنى . ومعنى « فُرادى » : فردا فردا ، فإذا قلت : جاء القوم فرادى ، فمعناه : واحدا واحدا ، قال الشاعر : 1998 - ترى النّعرات الزّرق تحت لبانه * أحاد ومثنى أثقلتها صواهله ويقال : فرد يفرد فرودا ، فهو فارد ، وأفردته أنا ، ورجل أفرد ، وامرأة فرداء ، كأحمر وحمراء ، والجمع على هذا « فرد » ، ك « حمر » ، ويقال في « فُرادى » : فراد ، على زنة فعال ، فينصرف ، وهي لغة تميم ، وبها قرأ عيسى بن عمر وأبو حيوة : « ولقد جئتمونا فرادا . وقال أبو البقاء : وقرىء في الشاذ بالتنوين على أنه اسم صحيح ، يقال في الرفع : فراد ، مثل : تؤام « 1 » ، ورخال « 2 » ، وهو جمع قليل انتهى » . ويقال أيضا : « جاء القوم فراد » غير منصرف ، فهو كأحاد ، ورباع ، في كونه معدولا صفة ، وهي قراءة شاذة هنا ، وروى خارجة عن نافع وأبي عمرو كليهما أنهما قرآ : « فردى ، مثل « سكرى » اعتبارا بتأنيث الجماعة ، كقوله تعالى : وَتَرَى النَّاسَ سُكارى ، وَما هُمْ بِسُكارى فهذه أربع قراءات ، المشهورة « فُرادى » وثلاث في الشاذ : « فرادا » ، ك « رخال » ، « فراد » ، ك « أحاد » ، « فردى » ، ك « سكرى » . قوله : « كَما خَلَقْناكُمْ » في هذه الكاف أوجه : أحدها : أنها منصوبة المحل على الحال ، من فاعل « جِئْتُمُونا » ، فمن أجاز تعدد الحال أجاز ذلك من غير تأويل ، ومن منع ذلك جعل الكاف بدلا من « فُرادى » . الثاني : أنها في محل نصب نعتا لمصدر محذوف ، أي : مجيئا مثل مجيئكم يوم خلقناكم . وقدّره مكي : منفردين انفرادا مثل حالكم أوّل مرّة » . والأول أحسن ، لأن دلالة الفعل على المصدر أقوى من دلالة الوصف عليه . الثالث : أن الكاف في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في « فُرادى » ، أي : مشبهين ابتداء خلقكم . كذا قدره أبو البقاء ، وفيه نظر ، لأنهم لم يشبّهوا بابتداء خلقهم ، وصوابه : أن يقدر مضافا ، أي : مشبهة حالكم حال ابتداء خلقكم . قوله : « أَوَّلَ مَرَّةٍ » منصوب على ظرف الزمان ، والعامل فيه « خَلَقْناكُمْ » ، و « مَرَّةٍ » في الأصل مصدر ل « مرّة يمرّ ، مرّة ، ثم اتسع فيها فصارت زمانا . قال أبو البقاء : « وهذا يدل على قوة شبه الزمان بالفعل » . وقال الشيخ : « وانتصب » « أَوَّلَ مَرَّةٍ » على الظرف ، أي : أوّل زمان ، ولا يتقدر : أوّل خلق ، لأن أول خلق يستدعي خلقا ثانيا ، ولا يخلق ثانيا إنما ذلك إعادة ، لا خلق . يعني أنه لا يجوز أن تكون المرّة على بابها من المصدرية ، ويقدر أوّل مرّة من الخلق لما ذكر . قوله : « وَتَرَكْتُمْ » فيها وجهان : أحدهما : أنها في محل نصب على الحال من فاعل « جِئْتُمُونا » ، و « قد » مضمرة على رأي ، أي : وقد تركتم .

--> ( 1 ) تؤام : جمع توءم وهو المولود مع غيره في بطن من الاثنين إلى ما زاد ، ذكرا كان أو أنثى ، أو ذكرا مع أنثى ، اللسان : تأم 413 . ( 2 ) قال ابن منظور : الرّخل والرّخل : الأنثى من أولاد الضأن ، والجمع ، أرخل ورخال ، ورخال - بضم الراء - مثل ظئر وظؤار . اللسان : رخل 1616 .