أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

122

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الفاصلة . وذكر أبو علي في الروضة أن أبا بكر قرأ « على صلواتهم » جمعا . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 93 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ( 93 ) قوله : كَذِباً . فيه أربعة أوجه : أحدها : أنه مفعول « افْتَرى » ، أي اختلق كذبا وافتعله . الثاني : أنه مصدر له على المعنى ، أي : افترى افتراء ، وفي هذا نظر ، لأن المعهود في مثل ذلك إنّما هو فيما كان المصدر فيه نوعا من الفعل ، نحو : قعد القرفصاء ، أو مرادفا له ك « قعدت جلوسا » ، أما ما كان المصدر فيه أعمّ من فعله ، نحو : « افترى كذبا ، وتقرفص قعودا » فهذا غير معهود ، إذ لا فائدة فيه . والكذب أعمّ من الافتراء ، وقد تقدم « 1 » تحقيقه . الثالث : أنه مفعول من أجله ، أي : افترى لأجل الكذب . الرابع : أنه مصدر واقع موقع الحال ، أي : افترى حال كونه كاذبا ، وهي حال مؤكدة . وقوله : « أَوْ قالَ » عطف على افترى ، و « إِلَيَّ » في محل رفع لقيامه مقام الفعل . وجوّز أبو البقاء أن يكون القائم مقام الفاعل ضمير المصدر ، قال : تقديره : أوحي إليّ الوحي أو الإيحاء » . والأول أولى ، لأن فيه فائدة جديدة ، بخلاف الثاني ، فإنّ معنى المصدر مفهوم من الفعل قبله . قوله : « وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ » جملة حالية ، وحذف الفاعل هنا تعظيما له ، لأن هو اللّه تعالى . وقوله : « وَمَنْ قالَ » مجرور المحل ، لأنه نسق على « مَنْ » المجرور ب « مَنْ » ، أي : وممّن قال . وقد تقدم نظير هذا الاستفهام في البقرة « 2 » ، وهناك سبق سؤال وجوابه . وقرأ أبو حيوة : « سأنزّل » مضعفا . وقوله : « مِثْلَ » يجوز في وجهان : أحدهما : أنه منصوب على المفعول به ، أي : سأنزل قرآنا مثل ما أنزل اللّه ، و « ما » على هذا موصولة اسمية ، أو نكرة موصوفة أي : مثل الذي أنزله ، أو مثل شيء أنزله . والثاني : أن يكون نعتا لمصدر محذوف ، تقديره : سأنزل إنزالا مثل ما أنزل اللّه ، و « ما » على هذا مصدرية ، أي : مثل إنزال اللّه . و « إِذِ » منصوب ب « تَرى » ومفعول الرؤية محذوف ، أي : ولو ترى الكفار ، أو الكذبة ، ويجوز ألا يقدر لها مفعول ، أي : ولو كنت من أهل الرؤية في هذا الوقت . وجواب « لَوْ » محذوف ، أي : لرأيت أمرا عظيما . و « الظَّالِمُونَ » يجوز أن يكون فيه « أل » للجنس ، وأن تكون للعهد ، والمراد بهم من تقدم ذكره من المشركين ، واليهود ، والكذبة المفترين . و « فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ » خبر المبتدأ ، والجملة في محل خفض بالظرف .

--> ( 1 ) عند آية ( 10 ) من سورة البقرة . ( 2 ) الآية ( 114 ) .