أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
107
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : بازِغاً . حال من « الْقَمَرَ » ، و « البزوغ » : الطّلوع ، يقال : بزغ - بفتح الزاي - يبزغ - بضمها - بزوغا ، ويستعمل قاصرا ومتعديا ، يقال : بزغ البيطار الدّابّة ، أي : أسال دمها ، فبزغ ، هو ، أي : سال . هذا هو الأصل ، ثم قيل لكل طلوع : بزوغ ، ومنه : بزغ ناب الصبي والبعير ، تشبيها بذلك . والقمر : معروف ، سمّي بذلك لبياضه وانتشار ضوئه . والأقمر : الحمار الذي على لون الليلة القمراء . والقمراء : ضوء القمر . وقيل : سمّي قمرا ، لأنه يقمر ضوء الكواكب ، ويفوز به . والليالي القمر : ليالي بدور القمر ، وهي الليالي البيض ، لأن ضوء القمر يستمر فيها إلى الصباح . قيل : ولا يقال له : قمر ، إلّا بعد امتلائه في ثالث ليلة ، وقبلها هلال على خلاف بين أهل اللغة ، قدمته في البقرة عند قوله : عَنِ الْأَهِلَّةِ « 1 » فإذا بلغ بعد العشر ثالث ليلة ، قيل له : بدر ، إلى خامس عشرة . ويقال : قمرت فلانا عن كذا ، أي : خدعته عنه ، وكأنه مأخوذ من : قمرت القربة فبدت بالقمراء . قوله : هذا رَبِّي . إنما ذكّر اسم الإشارة ، والمشار إليه مؤنث لأحد وجوه : إمّا ذهابا بها مذهب الكوكب ، وإمّا ذهابا بها مذهب الضوء والنّور ، وإمّا بتأويل الطالع ، أو الشخص ، أو الشيء . أو لأنه لما أخبر عنها بمذكر أعطيت حكمه ، تقول : هند ذاك الإنسان ، وتيك الإنسان ، قال : 1978 - نبّئت نعمى على الهجران عاتبة * سقيا ورعيا لذاك العاتب الزاري « 2 » فأشار إلى « نعمى » ، وهي مؤنث إشارة المذكر ، لوصفها بوصف الذكور . أو لأن فيها لغتين التذكير والتأنيث ، وإن كان الأكثر التأنيث . فقد جمع بينهما في الآية الكريمة ، فأنث في قوله : « بازِغَةً » ، وذكّر في قوله : « هذا » . وقال الزمخشري : جعل المبتدأ مثل الخبر ، لكونهما عبارة عن شيء واحد ، كقولهم : » ما جاءت حاجتك » و « من كانت أمّك » و لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا « 3 » ، وكان اختيار هذه الطريقة واجبا ، لصيانة الرّبّ عن شبهة التأنيث ، ألا تراهم قالوا في صفة « اللّه » : « علّام » ولم يقولوا : « علّامة » ، وإن كان أبلغ احترازا من علامة التأنيث » . قلت : هذا قريب مما تقدم في قولي : إنّ المؤنث إذا أخبر عنه بمذكر ، عومل معاملة المذكر ، نحو : « هند ذاك الإنسان » . وقيل : لأنها بمعنى : هذا البين ، أو المرئي . « قال الشيخ « 4 » : ويمكن أن يقال : إنّ أكثر لغة الأعاجم لا يفرقون في الضمائر ، ولا في الإشارة بين المذكر والمؤنث ، ولا علامة عندهم للتأنيث ، بل المذكر والمؤنث سواء ، فلذلك أشار إلى المؤنث عندنا حين حكى كلام إبراهيم بما يشار به إلى المذكر ، بل لو كان المؤنث بفرج لم يكن له علامة تدل عليه في كلامهم . وحين أخبر تعالى عنها بقوله : « بازِغَةً » و « أَفَلَتْ » أنث على مقتضى العربية ، إذ ليس ذلك بحكاية انتهى » . وهذا إنما يظهر أن لو
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 189 ) . ( 2 ) البيت للنابغة الذبياني انظر ديوانه ( 49 ) ، مشاهد الإنصاف ( 1 / 26 ) ، الكشاف ( 1 / 26 ) . ( 3 ) سورة الأنعام ، آية ( 23 ) . ( 4 ) انظر البحر ( 4 / 167 ) .