أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
108
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
حكى كلامهم بعينه في لغتهم . أما شيء يعبر عنه بلغة العرب ، ويعطى حكمه في لغة العجم فهو محل نظر . قوله : مِمَّا تُشْرِكُونَ « ما » مصدرية ، أي : بريء من إشراككم ، أو موصولة ، أي : من الذي تشركونه مع اللّه في عبادته ، فحذف العائد ، ويجوز أن تكون الموصوفة ، والعائد أيضا محذوف ، إلّا أنّ حذف عائد الصفة أقل من حذف عائد الصلة ، فالجملة بعد « ما » لا محل لها على القولين الأولين ، ومحلها الجر على الثالث . قوله : لِلَّذِي فَطَرَ . قدّروا قبله مضافا ، أي : وجّهت وجهي لعبادته ولرضاه ، كأنهم نفوا بذلك وهم من يتوهّم الجهة . و « حَنِيفاً » حال من فاعل « وَجَّهْتُ » ، وقد تقدم تفسير هذه الألفاظ « 1 » . و « ما » يحتمل أن تكون الحجازية وأن تكون التميمية . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 80 ] وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 80 ) قوله : أَ تُحاجُّونِّي . قرأ نافع وابن ذكوان وهشام ، بخلاف عنه بنون خفيفة ، والباقون بنون ثقيلة . والتثقيل هو الأصل لأن النون الأولى نون الرفع في الأمثلة الخمسة ، والثانية نون الوقاية ، فاستثقل اجتماعهما . وفيهما لغات ثلاث : الفك وتركهما على حالهما ، والإدغام ، والحذف . وقد قرىء بهذه اللغات كلّها في قوله تعالى : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ « 2 » ، وهنا لم يقرأ إلّا بالحذف ، أو الإدغام ، وفي سورة الحجر : « فَبِمَ تُبَشِّرُونَ » « 3 » كذلك ، فقراءة ابن كثير بالإدغام ، ونافع بالحذف والباقون يفتحون النون ، لأنها عندهم نون رفع ، وفي سورة النحل : تُشَاقُّونَ فِيهِمْ « 4 » . يقرأ بفتح النون عند الجمهور ، لأنها نون رفع ، ويقرأه نافع بنون خفيفة مكسورة على الحذف . فنافع حذف إحدى النونين في جميع هذه المواضع التي ذكرتها لك ، فإنه يقرأ في الزمر أيضا بحذف إحداهما . وقوله تعالى : أَ تَعِدانِنِي « 5 » في الأحقاف قرأه هشام بالإدغام ، والباقون بالإظهار دون الحذف . واختلف النحاة في أيتهما المحذوفة ، فمذهب سيبويه « 6 » ومن تبعه أن المحذوفة هي الأولى ، ومذهب الأخفش ، ومن تبعه أنّ المحذوفة هي الثانية . استدل سيبويه على ذلك بأن نون الرفع قد عهد حذفها دون ملاقاة مثل رفعا ، وأنشد : 1979 - فإن يك قوم سرّهم ما صنعتم * سيحتلبوها لاقحا غير باهل « 7 » أي : فيستحلبونها . لا يقال : إنّ النون حذفت جزما في جواب الشرط ، لأن الفاء هنا واجبة الدخول ، لعدم صلاحية الجملة الجزائية شرطا . وإذا تقرر وجوب الفاء ، وإنما حذفت ضرورة ، ثبت أن نون الرفع كان من حقها الثبوت ، إلّا أنها حذفت ضرورة ، وأنشدوا أيضا قوله :
--> ( 1 ) انظر الآية ( 112 ) و ( 135 ) من سورة البقرة . ( 2 ) سورة الزمر ، آية ( 64 ) . ( 3 ) سورة الحجر ، آية ( 54 ) . ( 4 ) سورة النحل ، آية ( 27 ) . ( 5 ) سورة الأحقاف ، آية ( 17 ) . ( 6 ) انظر الكتاب ( 3 / 519 ) . ( 7 ) تقدم .