أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

104

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أيضا : العبد القويّ ، وهو أيضا : خبث الرائحة . ويقال : صنّم ، أي صوّر ، ويضرب به المثل في الحسن ، قال : 1971 - ما دمية من مرمر صوّرت * أو ظبية في خمر عاطف أحسن منها يوم قالت لنا * والدّمع من مقلتها واكف لأنت أحلى من لذيذ الكرى * ومن أمان ناله خائف « 1 » [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 76 ] فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 ) قوله : فَلَمَّا جَنَّ . يجوز أن تكون هذه الجملة نسقا على قوله : « وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ » عطفا للدليل على مدلوله فيكون : « وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ » معترضا كما تقدم ويجوز أن تكون معطوفة على الجملة من قوله : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ . قال ابن عطية . « الفاء في قوله : « فَلَمَّا » رابطة جملة ما بعدها بما قبلها ، وهي ترجح أن المراد ب « الملكوت » التفصيل المذكور في هذه الآية » . والأول أحسن ، وإليه نحا الزمخشري . و « جَنَّ » : ستر ، وقد تقدم اشتقاق هذه المادة عند ذكر « الجنّة » . وهنا خصوصية لذكر الفعل المسند إلى الليل ، يقال : جنّ عليها الليل ، وأجنّ عليه ، بمعنى : أظلم ، فيستعمل قاصرا ، وجنّة وأجنّه ، فيستعمل متعديا ، فهذا مما اتفق فيه « فعل ، وأفعل » لزوما وتعديا ، إلا أن الأجود في الاستعمال : جنّ عليه الليل ، وأجنّه الليل ، فيكون الثلاثي لازما ، و « أفعل » متعديا ، ومن مجيء الثلاثي متعديا قوله : 1972 - وماء وردت قبيل الكرى * وقد جنّه السّدف الأدهم « 2 » ومصدره : جنّ ، وجنان ، وجنون . وفرق الراغب بين جنّه وأجنّه ، فقال : جنّه إذا ستره ، وأجنّه : جعل له ما يجنّه ، كقولك : قبرته وأقبرته ، وسقيته وأسقيته . « وقد تقدم شيء من هذا عند ذكرى « حزن ، وأحزن » . ويحتمل أن يكون « جَنَّ » في الآية الكريمة متعديا ، حذف المفعول فيها ، تقديره : جنّ عليه الأشياء والمبصرات . قوله : رَأى كَوْكَباً هذا جواب « لمّا » . وللقراء فيه ، وفيما بعده من الفعلين خلاف كبير ، بالنسبة إلى الإمالة وعدمها ، فلأذكر ذلك ، ملخصا له وذاكرا لعلله فأقول : أمّا « رأى » الثابت الألف ، فأمال راءه وهمزته إمالة محضه الأخوان ، وأبو بكر عن عصام ، وابن ذكوان عن ابن عامر . وأمال الهمزة منه فقط دون الراء أبو عمرو بكماله ، وأمال السوسي بخلاف عنه عن أبي عمرو الراء أيضا . فالسوسي في أحد وجهيه يوافق الجماعة المتقدمين . وأمال ورش الراء والهمزة بين بين من هذا الحرف ، حيث وقع هذا كله ما لم يتصل به ضمير ، نحو ما تقدم . فأما إذا اتصل به ضمير ، نحو : فَرَآهُ فِي سَواءِ « 3 » ، فَلَمَّا رَآها « 4 » ، وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ « 5 » ، فابن ذكوان عنه وجهان ، والباقون على أصولهم المتقدمة . وأما « رأى » إذا حذفت ألفه فهو على قسمين ، قسم لا يعود فيه البتة لا وصلا ،

--> ( 1 ) الأبيات لإبراهيم بن المدبّر ، انظر أمالي القالي ( 1 / 29 ) . ( 2 ) البيت لعياض بن خويلد الخناعي انظر ديوان الهذليين ( 3 / 56 ) ، اللسان ( جنن - سدف ) البحر ( 4 / 162 ) . السدف : الظلمة ، الأدهم الشديد السواد . ( 3 ) سورة الصافات ، آية ( 55 ) . ( 4 ) سورة النحل ، آية ( 10 ) . ( 5 ) سورة الأنبياء ، آية ( 36 ) .