أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
98
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقوله تعالى : قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ : قد تقدّم إعراب هذه الجمل في قصة زكريا « 1 » فلا معنى لإعادته إلّا أنّ هناك « يَفْعَلُ ما يَشاءُ » وهنا « يَخْلُقُ » قيل : لأنّ قصّتها أغرب من قصته ، وذلك أنه لم يعهد ولد من عذراء لم يمسّها بشر البتة ، بخلاف الولد بين الشيخ والعجوز فإنه مستبعد ، وقد يعهد مثله وإن كان قليلا ، فلذلك أتى بيخلق المقتضي الإيجاد والاختراع من غير إحالة على سبب ظاهر ، وإن كانت الأشياء كلّها بخلقه وإيجاده وإن كان لها أسباب ظاهرة . والجملة من قوله : وَلَمْ يَمْسَسْنِي حالية . « والبشر في الأصل مصدر كالخلق ، ولذلك يستوي فيه » المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والمجموع ، تقول : هذه بشر ، وهذان بشر ، وهؤلاء بشر ، كقولك : هؤلاء خلق قيل : « واشتقاقه من البشرة وهو ظاهر الجلد ، لأنه الذي من شأنه أن يظهر الفرح » والغمّ في بشرته . و « يَكُونُ » يحتمل التمام والنقصان ، وقد تقدّم تحريره ، وتقدّم أيضا اختلاف القراء في « فَيَكُونُ » « 2 » وما ذكر في توجيهه . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 48 ] وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ( 48 ) قوله تعالى : وَيُعَلِّمُهُ : قرأ نافع وعاصم : « وَيُعَلِّمُهُ » بياء الغيبة ، والباقون بنون المتكلم المعظّم نفسه ، وعلى كلتا القراءتين ففي محلّ هذه الجملة أوجه ، أحدها : أنها معطوفة على « يُبَشِّرُكِ » أي : إن اللّه يبشرك بكلمة ويعلّم ذلك المولود المعبّر عنه بالكلمة . الثاني : أنها معطوفة على « يَخْلُقُ » أي : كذلك اللّه يخلق ما يشاء ويعلمه ، وإلى هذين الوجهين ذهب جماعة منهم الزمخشري وأبو عليّ الفارسي . وهذان الوجهان ظاهران على قراءة الباء . وأمّا قراءة النون فلا يظهر هذان الوجهان عليها إلا بتأويل الالتفات من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم إيذانا بالفخامة والتعظيم . فأمّا عطفه على « يبشّرك فقد استبعده الشيخ « 3 » جدا قال : « لطول الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه » وأمّا عطفه على « يَخْلُقُ » . فقال الشيخ « 4 » وهو معطوف عليه سواء كانت - يعني يخلق - خبرا عن اللّه تعالى أم تفسيرا لما قبلها ، إذا أعربت لفظ « اللَّهُ » مبتدأ ، وما قبله الخبر » يعني أنه قد تقدّم في إعراب « كَذلِكَ اللَّهُ » « 5 » في قصة زكريا أوجه : أحدها : ما ذكر ، ف « يُعَلِّمُهُ » معطوف على « يَخْلُقُ » بالاعتبارين المذكورين ، إذ لا مانع من ذلك . وعلى هذا الذي ذكره الشيخ وغيره تكون الجملة الشرطية معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ، والجملة من « يُعَلِّمُهُ » في الوجهين المتقدّمين مرفوعة المحلّ لرفع محلّ ما عطفت عليه . الثالث : أن يعطف على « يُكَلِّمُ » فيكون منصوبا على الحال ، والتقدير : يبشّرك بكلمة مكلّما ومعلّما الكتاب ، وهذا الوجه جوّزه ابن عطية وغيره . الرابع : أن يكون معطوفا على « وَجِيهاً » لأنه في تأويل اسم منصوب على الحال ، كما تقدّم تقريره في قوله : « وَيُكَلِّمُ » . وهذا الوجه جوّزه الزمخشري . واستبعد الشيخ « 6 » هذين الوجهين الأخيرين - أعني الثالث والرابع - قال :
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 40 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 117 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط 2 / 463 . ( 4 ) انظر البحر المحيط 2 / 463 . ( 5 ) سورة آل عمران ، آية ( 40 ) . ( 6 ) انظر البحر المحيط 2 / 463 .