أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

99

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« لطول الفصل بين المعطوف عليه ، ومثله لا يوجد في لسان العرب » . الخامس : أن يكون معطوفا على الجملة المحكية بالقول ، وهي : « كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ » . قال الشيخ « 1 » : « وعلى كلتا القراءتين هي معطوفة على الجملة المقولة ، وذلك أنّ الضمير في قوله : « قالَ كَذلِكَ » للّه تعالى ، والجملة بعده هي المقولة ، وسواء كان لفظ « اللَّهُ » مبتدأ خبره ما قبله أم مبتدأ وخبره « يَخْلُقُ » على ما مرّ إعرابه في « قال : كذلك اللّه يفعل ما يشاء » فيكون هذا من المقول لمريم على سبيل الاغتباط والتبشير بهذا الولد الذي يوجده اللّه منها . السادس : أن يكون مستأنفا لا محلّ له من الإعراب ، قال الزمخشري بعد أن ذكر فيه أنه يجوز أن يكون معطوفا على « يُبَشِّرُكِ » . أو « يَخْلُقُ » أو « وَجِيهاً » : « أو هو كلام مبتدأ » يعني مستأنفا . قال الشيخ « 2 » : فإن عنى أنه استئناف إخبار من اللّه أو عن اللّه على اختلاف القراءتين ، فمن حيث ثبوت الواو لا بد أن يكون معطوفا على شيء قبله ، فلا يكون ابتداء كلام ، إلا أن يدّعى زيادة الواو في « وَيُعَلِّمُهُ » فحينئذ يصحّ أن يكون ابتداء كلام ، وإن عنى أنه ليس معطوفا على ما ذكر فكان ينبغي أن يبيّن ما عطف عليه ، وأن يكون الذي عطف عليه ابتداء كلام حتى يكون المعطوف كذلك » قلت : وهذا الاعتراض غير لازم لأنه لا يلزم من جعله كلاما مستأنفا أن يدّعى زيادة الواو ، ولا أنه لا بدّ من معطوف عليه ، لأنّ النحويين وأهل البيان نصّوا على أن الواو تكون للاستئناف ، بدليل أنّ الشعراء يأتون بها في أوائل أشعارهم من غير تقدّم شيء يكون ما بعدها معطوفا عليه ، والأشعار مشحونة بذلك ، ويسمّونها واو الاستئناف ، ومن منع ذلك قدّر أنّ الشاعر عطف كلامه على شيء منويّ في نفسه ، ولكنّ الأول أشهر القولين : وقال الطبري : « قراءة الياء عطف على قوله « يَخْلُقُ ما يَشاءُ » ، وقراءة النون عطف على قوله : « نُوحِيهِ إِلَيْكَ » . قال ابن عطية : « وهذا القول الذي قاله في الوجهين مفسد للمعنى » ولم يبيّن أبو محمد جهة إفساد المعنى . قال الشيخ « 3 » : « أمّا قراءة النون فظاهر فساد عطفه على « نُوحِيهِ » من حيث اللفظ ومن حيث المعنى : أمّا من حيث اللفظ فمثله لا يقع في لسان العرب لبعد الفصل المفرط وتعقيد التركيب وتنافر الكلام ، وأمّا من حيث المعنى فإنّ المعطوف بالواو شريك المعطوف عليه فيصير المعنى بقوله : « ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ » أي : إخبارك يا محمد بقصة امرأة عمران وولادتها لمريم وكفالتها زكريا ، وقصته في ولادة يحيى له وتبشير الملائكة لمريم بالاصطفاء والتطهير ، كلّ ذلك من أخبار الغيب نعلّمه ، أي : نعلّم عيسى الكتاب ، فهذا كلام لا ينتظم معناه مع معنى ما قبله . وأمّا قراءة الياء وعطف « وَيُعَلِّمُهُ » على « يَخْلُقُ » فليست مفسدة للمعنى ، بل هو أولى وأصحّ ما يحمل عليه عطف « وَيُعَلِّمُهُ » لقرب لفظه وصحة معناه ، وقد ذكرنا جوازه قبل ، ويكون اللّه أخبر مريم بأنه تعالى يخلق الأشياء الغريبة التي لم تجر العادة بمثلها مثل ما خلق لك ولدا من غير أب ، وأنه تعالى يعلّم هذا الولد الذي يخلقه ما لم يعلّمه من قبله من الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ، فيكون في هذا الإخبار أعظم تبشير لها بهذا الولد وإظهار لبركته ، وأنه ليس مشبها أولاد الناس من بني إسرائيل ، بل هو مخالف لهم في أصل النشأة ، وفيما يعلّمه تعالى من العلم ، وهذا يظهر لي أنه أحسن ما يحمل عطف « وَيُعَلِّمُهُ » . انتهى .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 463 . ( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 463 . ( 3 ) المصدر السابق 2 / 464 .