أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
95
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
منها ليس مستقلا بالخبرية بل هو من باب : هذا حلو حامض ، وهذا أعسر يسر « 1 » ونظيره قول الشاعر : 1291 - كيف أصبحت كيف أمسيت ممّا * يزرع الودّ في فؤاد الكريم « 2 » أي : مجموع كيف أصبحت ، وكيف أمسيت ، فكما جاز تعدّد المبتدأ لفظا من غير عاطف والمعنى على المجموع فكلذلك في الخبر ، وقد أنشدت عليه أبياتا كقوله : 1292 - . . . فهذا بتّي * مقيّظ مصيّف مشتّي « 3 » وقد زعم بعضهم أنّ « الْمَسِيحُ » ليس باسم لقب له بل هو صفة كالضارب والظريف ، قال : « وعلى هذا ففي الكلام تقديم وتأخير ، إذ المسيح صفة لعيسى والتقدير : اسمه عيسى المسيح » . وهذا لا يجوز ، أعني تقديم الصفة على الموصوف ، لكنه يعني هو صفة له في الأصل ، والعرب إذا قدّمت ما هو صفة في الأصل جعلوه مبنيّا على العامل قبله وجعلوا الموصوف بدلا من صفته في الأصل نحو قوله : 1293 - وبالطويل العمر * عمرا حيدرا « 4 » الأصل : وبالعمر الطويل ، هذا في المعارف ، وأمّا في النكرات فينصبون الصفة حالا . وقال الشيخ « 5 » : « ولا يصحّ أن يكون « الْمَسِيحُ » في هذا التركيب صفة لأن المخبر به على هذا لفظ ، والمسيح من صفة المدلول لا من صفة الدالّ ، إذ لفظ عيسى ليس المسيح ، ومن قال : إنهما اسمان قال : فقدّم المسيح على عيسى لشهرته . قال ابن الأنباري : « وإنّما قدّم - بدىء بلقبه - لأن المسيح أشهر من عيسى لأنه قلّ أن يقع على سمى يشتبه به ، وعيسى قد يقع على عدد كثير فقدّمه لشهرته ، ألا ترى أن ألقاب الخلفاء أشهر من أسمائهم » ، فهذا يدلّ على أنّ المسيح عند ابن الأنباري « لقب » لا اسم . وقال أبو إسحاق : « وعيسى معرّب من أيسوع وإن جعلته عربيا لم تصرفه في معرفة ولا نكرة ، لأنّ فيه ألف التأنيث ، ويكون مشتقا من عاسه يعوسه إذا ساسه ، وقام عليه » ، وقال الزمخشري : « ومشتقّهما - يعني المسيح وعيسى - من المسح والعيس كالراقم على الماء » . وقد تقدّم الكلام على عيسى ومريم واشتقاقهما وما ذكر الناس في ذلك في سورة البقرة « 6 » فأغنى عن إعادته . قوله : وَجِيهاً حال وكذلك قوله : وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وقوله : و يُكَلِّمُ وقوله : مِنَ الصَّالِحِينَ فهذه أربعة أحوال انتصبت عن قوله « بِكَلِمَةٍ » ، وإنما ذكّر الحال حملا على المعنى ، إذ المراد بها الولد والمكوّن ، كما ذكّر الضمير
--> ( 1 ) أي يعمل بكلتا يديه . ( 2 ) انظر البيت في الخصائص 1 / 290 ، الهمع 2 / 140 ، الدرر 2 / 193 ، رصف المباني ( 414 ) ، شرح الكافية الشافية 3 / 1260 ، الأشموني 3 / 116 ، الأشموني 4 / 31 . استشهد به على حذف حرف العطف ( الواو ) من المعطوف إذ التقدير : كيف أصبحت وكيف أمسيت . ( 3 ) البيت لرؤبة وتمامه : من يك ذابت فهذابتي * مقيظ مصيف مشتى انظر ملحقات ديوانه 189 ، الدرر 1 / 78 ، الأشموني 1 / 222 . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) انظر البحر المحيط 2 / 460 . ( 6 ) آية ( 87 ) .