أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
96
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
في « اسْمُهُ » ، فالحال الأولى جيء بها على الأصل اسما صريحا ، والباقية في تأويله : فالثانية جار ومجرور ، وأتي بها هكذا لوقوعها فاصلة في الكلام ، ولو جيء بها اسما صريحا لفات مناسبة الفواصل ، والثالثة جملة فعلية ، وعطف الفعل على الاسم لتأويله به وهو كقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ « 1 » أي : وقابضات ، ومثله في عطف الاسم على الفعل لأنه في تأويله قول النابغة : 1294 - فألفيته يوما يبير عدوّه * وبحر عطاء يستخفّ المعابرا « 2 » ويقرب منه : 1295 - بات يعشّيها بعضب باتر * يقصد في أسوقها وجائر « 3 » إذا المعنى : مبيرا عدوّه ، وقاصد ، وجاء بالثالثة فعلية لأنّها في رتبتها ، إذ الحال وصف في المعنى ، وقد تقدّم أنه إذا اجتمع صفات مختلفة في الصراحة والتأويل قدّم الاسم ثم الظرف أو عديله ثم الجملة ، فكذا فعل هنا ، قدّم الاسم وهو « وَجِيهاً » ثم الجارّ والمجرور ثم الفعل ، وأتى به مضارعا لدلالته على التجدّد وقتا فوقتا ، بخلاف الوجاهة فإنّ المراد ثبوتها واستقرارها والاسم متكفّل بذلك ، والجارّ قريب من المفرد فلذلك ثنّى به إذ المقصود ثبوت تقريبه . والتضعيف في « الْمُقَرَّبِينَ » للتعدية لا للمبالغة لما تقدّم من أنّ التضعيف للمبالغة لا يكسب الفعل مفعولا ، وهذا قد أكسبه مفعولا كما ترى بخلاف : « قطّعت الأثواب » فإنّ التعدّي حاصل قبل ذلك ، وجيء بالرابعة بقوله « مِنَ الصَّالِحِينَ » مراعاة للفاصلة كما تقدّم في « الْمُقَرَّبِينَ » ، والمعنى : أنّ اللّه يبشّرك بهذه الكلمة موصوفة بهذه الصفات الجميلة . ومنع أبو البقاء أن تكون أحوالا من المسيح أو من عيسى أو من ابن مريم ، قال : « لأنها أخبار والعامل فيها الابتداء أو المبتدأ أو هما ، وليس شيء من ذلك يعمل في الحال » ومنع أيضا كونها حالا من الهاء في « اسْمُهُ » قال : « للفصل الواقع بينهما ، ولعدم العامل في الحال » قلت : ومذهبه أيضا أنّ الحال لا تجيء من المضاف إليه وهو مراده بقوله : « ولعدم العامل » وجاءت الحال من النكرة لتخصّصها بالصفة بعدها . وظاهر كلام الواحدي فيما نقله عن الفراء ، أنه يجوز أن تكون أحوالا من عيسى فإنّه قال : « والفراء يسمّي هذا قطعا كأنه قال : عيسى ابن مريم الوجيه ، قطع منه التعريف » فظاهر هذا يؤذن بأنّ وَجِيهاً من صفة عيسى في الأصل فقطع عنه ، والحال وصف في المعنى . قوله : فِي الدُّنْيا متعلق بوجيها ، لما فيه من معنى الفعل . والوجيه : ذو الجاه وهو القوة والمنعة والشرف ، يقال : وجه الرجل يوجه وجاهة ، واشتقاقه من الوجهة لأنه أشرف الأعضاء ، والجاه مقلوب منه فوزنه عفل .
--> ( 1 ) سورة الملك ، آية ( 19 ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 65 ) ، رصف المباني ( 411 ) ، ابن عقيل ( 2 / 244 ) ، البحر ( 7 / 259 ) . ( ألفيته ) ألفي : وجد « يوما » أراد به مجرد الوقت ، « يبير » يهلك وماضيه أبار ويروى ( يبيد ) بالدال وهو بمعنى يبير . ( المعابر ) جمع معبر وهو ما يعبر الماء عليه كالسفينة . ( 3 ) انظر البيت في ابن الشجري 2 / 167 ، الأشموني 3 / 120 ، الخزانة 5 / 140 ، معاني الفراء 1 / 213 . ويعشها من العشاء بفتح العين وهو الطعام الذي يؤكل وقت العشي القصد ضد الجور والشاهد فيه وجائر فإنه عطف على ( يقصد ) وهو عطف الاسم على الفعل والمسهل له كون جائر بمعنى يجور .