أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

89

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

سَوِيًّا « 1 » ، وقد يقال : إنّه يؤخذ المجموع من المجموع فلا حاجة إلى ادّعاء حذف ، فإنّا على هذا التقدير الذي ذكرتموه نحتاج إلى تقدير معطوف في الآية الأخرى تقديره : ثلاث ليال وأيامها . قوله : إِلَّا رَمْزاً فيه وجهان : أحدهما : أنه استثناء منقطع لأنّ الرمز ليس من جنس الكلام ، إذ الرمز : الإشارة بعين أو حاجب ، أو نحوهما ، ولم يذكر أبو البقاء غيره ، واختاره ابن عطية بادئا به فإنه قال : « والكلام المراد في الآية إنما هو النطق باللسان لا الإعلام بما في النفس ، فحقيقة هذا الاستثناء أنه استثناء منقطع » ثم قال : « وذهب الفقهاء إلى أنّ الإشارة ونحوها في حكم الكلام في الأيمان ونحوها ، فعلى هذا يجيء الاستثناء متصلا » . والوجه الثاني : أنه متصل ؛ لأنّ الكلام لغة يطلق بإزاء معان ، الرمز والإشارة من جملتها ، وأنشدوا على ذلك : 1277 - إذا كلّمتني بالعيون الفواتر * رددت عليها بالدّموع البوادر « 2 » وقال آخر : 1278 - أرادت كلاما فاتّقت من رقيبها * فلم يك إلّا ومؤها بالحواجب « 3 » وقد استعمل الناس ذلك فقال حبيب : 1279 - كلّمته بجفون غير ناطقة * فكان من ردّه ما قال حاجبه « 4 » وبهذا الوجه بدأ الزمخشري مختارا له قال : « لمّا أدّي مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمّي كلاما ، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا » . والرّمز : الإشارة والإيماء بعين أو حاجب أو يد ، ومنه قيل للفاجرة : الرامزة والرّمّازة ، وفي الحديث : « نهى عن كسب الرّمّازة » يقال فيه : رمزت ترمز وترمز بضم العين وكسرها في المضارع ، وأصل الرّمز : التحرك يقال : رمز وارتمز أي : تحرّك ، ومنه قيل للبحر : الراموز لتحرّكه واضطرابه . وقال الراغب : « الرّمز : إشارة بالشفة ، والصوت الخفي والغمز بالحاجب ، وما ارمازّ أي : لم يتكلّم رمزا ، وكتيبة رمّازة : أي لم يسمع منها إلا رمز لكثرتها » قلت : ويؤيّد كونه الصوت الخفي - كما قال الرغب - ما جاء في التفسير أنه كان ممنوعا من رفع الصوت . والعامّة قرؤوا : رمزا بفتح الراء وسكون الميم . وقرأ يحيى بن وثاب وعلقمة بن قيس : « رمزا » بضمّهما وفيه وجهان : أحدهما : أنه مصدر على فعل بتسكين العين في الأصل ، ثم ضمّت العين اتباعا كقولهم : اليسر والعسر في : اليسر والعسر ، وقد تقدّم في هذا كلام لأهل التصريف . والثاني : أنه جمع رموز كرسل في جمع رسول ، ولم يذكر الزمخشري غيره . وقال أبو البقاء : « وقرىء بضمّها - أي

--> ( 1 ) سورة مريم ، آية ( 10 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) للقتاني انظر البيت في البحر 2 / 452 ، اللسان ( ومأ ) . ( 4 ) انظر البيت في البحر 2 / 452 .