أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

80

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الظرف المكاني ب « دَعا » ، أي : في ذلك المكان الذي رأى فيه ما رأى من أمر مريم ، وهو ظرف لا يتصرّف بل يلزم النصب على الظرفية ، وقد يجرّ ب « من » و « إلى » قال الشاعر : 1256 - قد وردت من أمكنه * من ههنا ومن هنه « 1 » وحكمه حكم « ذا » من كونه يجرّد من حرف التنبيه ومن الكاف واللام نحو : هنا ، وقد تصحبه « ها » التنبيه نحو : ههنا ، ومع الكاف قليلا نحو : « ها هناك » ، ويمتنع الجمع بين ها واللام . وأخواته : هنّا بتشديد النون مع فتح الهاء وكسرها ، وثمّ بفتح الثاء ، وقد يقال هنّت ، ولا يشار بهذه إلا للبعيد خاصة ولا يشار بهنالك وما ذكر معه إلا للأمكنة . وقد زعم بعضهم أنّ « هناك » و « هُنالِكَ » و « هنّا » للزمان ، فمن ورود « هُنالِكَ » بمعنى الزمان عند بعضهم هذه الآية أي : في ذلك الزمان ، ومثله هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ « 2 » ومنه قول زهير : 1257 - هنالك أن يستخبلوا المال يخبلوا * . . . « 3 » والظاهر أنه على مكانيّته . ومن ورود « هناك » قوله : 1258 - وإذا الأمور تعاظمت وتشابهت * فهناك يعترفون أين المفزع « 4 » ومن ورود هنّا قوله : 1259 - حنّت نوار ولات هنّا حنّت * وبدا الّذي كانت نوار أجنّت « 5 » لأن « لات » لا تعمل إلا في الأحيان ، وفي البيت كلام أطول من هذا . وفي عبارة السجاوندي أن « هناك » في المكان و « هنالك » في الزمان ، وهو سهو ، لأنها للمكان سواء تجردت أم اتصلت بالكاف واللام معا أم بالكاف دون اللام . قوله : مِنْ لَدُنْكَ يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلق ب « هَبْ » وتكون « مِنْ » لابتداء الغاية مجازا أي : هب لي من عندك . ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنه في الأصل صفة لذرية ، فلما قدّم عليها انتصب حالا . وقد تقدّم الكلام على لدن وأحكامها ولغاتها . وقوله : « سَمِيعُ الدُّعاءِ » مثال مبالغة محوّل من « سامع » وليس بمعنى « مسمع » لفساد المعنى . وقوله : طَيِّبَةً إن أراد ب « ذُرِّيَّةً » الجنس فيكون التأنيث في « طَيِّبَةً » باعتبار تأنيث الجماعة ، وإن أراد به ذكرا

--> ( 1 ) انظر البيت في ابن يعيش 3 / 138 ، الهمع 1 / 78 ، المصنف 2 / 156 ، الدرر 1 / 52 ، اللسان ( للكميت ) . ( 2 ) سورة الأحزاب ، آية ( 11 ) . ( 3 ) صدر بيت وعجزه : . . . * وإن يسألوا يعطوا وأن ييسروا يغلوا انظر ديوانه ( للكميت ) ، الخصائص 1 / 98 ، اللسان ( للكميت ) . ( 4 ) البيت للأفوه الأودي ، انظر ديوانه ( 7 ) ، الهمع ( 1 / 78 ) ، العيني ( 1 / 421 ) ، الدرر ( 1 / 52 ) ، استشهد به المصنف رحمه اللّه على أن هناك قد يشار بها إلى الزمان . ( 5 ) البيت لشبيب بن جعيل ونسب لحجل بن نضلة . انظر ابن يعيش 3 / 15 ، الخزانة 2 / 156 ، الهمع 1 / 78 ، الدرر 1 / 52 .