أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
81
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
واحدا فالتأنيث باعتبار اللفظ . قال الفراء : « وأنّث « طَيِّبَةً » لتأنيث لفظ « الذرية » كما قال الشاعر : 1260 - أبوك خليفة ولدته أخرى * وأنت خليفة ، ذاك الكمال « 1 » وهذا فيما لم يقصد به واحد معيّن ، أمّا لو قصد به واحد معيّن امتنع اعتبار اللفظ نحو : طلحة وحمزة ، وقد جمع الشاعر بين التذكير والتأنيث في قوله : 1261 - فما تزدري من حيّة جبليّة * سكات إذا ما عضّ ليس بأدردا « 2 » لأنّ المراد بحيّة اسم الجنس لا واحد بعينه . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 39 ] فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 ) قوله تعالى : فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ : قرأ الأخوان : « فناداه » من غير تاء تأنيث ، والباقون : « فَنادَتْهُ » بتاء التأنيث . والتذكير والتأنيث باعتبار الجمع المكسر ، فيجوز في الفعل المسند إليه التذكير باعتبار الجمع ، والتأنيث باعتبار الجماعة ، ومثل هذا : إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ « 3 » يقرأ بالتاء والياء ، وكذا قوله : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ « 4 » . قال الزجاج : « يلحقها التأنيث للفظ الجماعة ، ويجوز أن يعبّر عنها بلفظ التذكير لأنه يقال : جمع الملائكة ، وهذا كقوله : وَقالَ نِسْوَةٌ انتهى وإنما حسّن الحذف هنا الفصل بين الفعل وفاعله . وقد تجرّأ بعضهم على قراءة العامة فقال : « أكره التأنيث لما فيه من موافقة دعوى الجاهلية ؛ لأن الجاهلية زعمت أن الملائكة إناث . وتجرّأ أبو البقاء على قراءة الأخوين فقال : « وكره قوم قراءة التأنيث لموافقة الجاهلية ، فلذلك قرأ من قرأ : « فناداه » بغير تاء ، والقراءة به غير جيدة لأنّ الملائكة جمع ، وما اعتلّوا به ليس بشيء ، لأنّ الإجماع على إثبات التاء في قوله : وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ « 5 » . وهذان القولان الصادران من أبي البقاء وغيره ليسا بجيدين ، لأنهما قراءتان متواترتان ، فلا ينبغي أن تردّ إحداهما البتة . والأخوان على أصلهما من إمالة « فناداه » ، والرسم يحتمل القراءتين معا أعني التذكير والتأنيث . والجمهور على أنّ الملائكة المراد بهم واحد وهو جبريل . قال الزجاج : « أتاه النداء من هذا الجنس الذين هم الملائكة كقولك : « فلان يركب السفن » أي : « هذا الجنس » ومثله الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ « 6 » وهم نعيم بن مسعود . وقوله « إنّ الناس » يعني أبا سفيان ، ولمّا كان جبريل رئيس الملائكة أخبر عنه إخبار الجماعة تعظيما له . وقيل : « الرئيس لا بدّ له من أتباع ، فلذلك أخبر عنه وعنهم ، وإن كان النداء إنما صدر منه » ، ويؤيّد كون المنادى جبريل وحده قراءة عبد اللّه ، وكذا في مصحفه : « فناداه جبريل » ، والعطف بالفاء في قوله : « فَنادَتْهُ » مؤذن بأنّ الدعاء معتقب بالتبشير .
--> ( 1 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 / 208 ، اللسان ( للكميت ) . ( 2 ) انظر البيت في الطبري 6 / 362 ، البحر 2 / 445 ، اللسان ( سكت ) 2046 . ( 3 ) سورة الأنفال ، آية ( 50 ) . ( 4 ) سورة المعارج ، آية ( 4 ) . ( 5 ) سورة آل عمران ، آية ( 42 ) . ( 6 ) سورة آل عمران ، آية ( 173 ) .