أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
79
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بمحذوف ، و « وَجَدَ » وهو الناصب لكلما ، لأنها ظرفية ، وقد تقدّم تحقيقه وأبو البقاء سمّاه جوابها ؛ لأنها عنده تشبه الشرط كما سيأتي . قوله : قالَ : يا مَرْيَمُ فيه وجهان ، أحدهما : أنه مستأنف ، قال أبو البقاء : « ولا يجوز أن يكون بدلا من « وَجَدَ » لأنه ليس بمعناه » . والثاني : أنه معطوف بالفاء ، فحذف العاطف ، قال أبو البقاء : « كما حذفت في جواب الشرط كقوله : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ « 1 » ، وكذلك قول الشاعر : 1254 - من يفعل الحسنات اللّه يشكرها * . . . « 2 » وهذا الموضع يشبه جواب الشرط ؛ لأنّ « كُلَّما » تشبه الشرط في اقتضائها الجواب » انتهى . قلت : وهذا الذي قاله فيه نظر من حيث إنه تخيّل أنّ قوله تعالى « وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ » أنّ جواب الشرط هو نفس « إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ » حذفت منه الفاء ، وليس كذلك ، بل جواب الشرط محذوف ، و « إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ » جواب قسم مقدر قبل الشرط ، وقد تقدّم تحقيق هذه المسألة ، فليس هذا ممّا حذفت منه فاء الجزاء البتّة ، وكيف يدّعي ذلك ويسوّيه بالبيت المذكور وهو لا يجوز إلا في ضرورة ، ثم الذي يظهر أنّ الجملة من قوله : « وَجَدَ » في محلّ نصب على الحال من فاعل « دَخَلَ » ، ويكون جواب « كُلَّما » هو نفس « قالَ » والتقدير : كلما دخل عليها زكريا واجدا عندها الرزق قال ، وهذا بيّن جدا . ونكّر « رِزْقاً » له أو ليدلّ به على نوع ما منه . قوله : أَنَّى لَكِ هذا أنّى خبر مقدم ، و « هذا » مبتدأ مؤخر ، ومعنى « أَنَّى » هنا : من أين ، كذا فسّرها أبو عبيدة ، وقيل : ويجوز أن يكون سؤالا عن الكيفية أي : كيف تهيّأ لك هذا ، قال الكميت : 1255 - أنّى ومن أين آبك الطّرب * من حيث لا صبوة ولا ريب « 3 » وجوّز أبو البقاء في « أنّى أن ينتصب على الظرف بالاستقرار الذي في « لَكِ » ، و « لَكِ » رافع ل « هذا » يعني بالفاعلية ولا حاجة إلى ذلك . وقد تقدّم الكلام على « أَنَّى » في البقرة « 4 » . إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ تقدّم نظيره ، ويحتمل أن يكون مستأنفا « من كلام اللّه تعالى ، وأن يكون من كلام مريم فيكون منصوبا » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 38 ] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ( 38 ) قوله تعالى : هُنالِكَ دَعا : « هنا » هو الاسم واللام للبعد والكاف حرف ، وهو وزان « ذلك » ، وهو منصوب على
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 121 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) البيت مطلع قصيدة له في الهاشميات ص 56 ، انظر الطبري 2 / 336 ، البحر المحيط 2 / 443 ، مجمع البيان 1 / 320 ، مقاييس اللغة 1 / 153 ، شرح الحماسة للمرزوقي 1 / 53 ، مشكل القرآن ( 330 ) . آبك : جاءك وغشيك ، وهو فعل ماض من الأوب والطرب : خفة من فرح أو حزن ، والمراد الأول ، والصبوة : الصبا والشوق ، والريب جمع ريبة وهي الشبهة والمعنى : كيف طربت مع كبر سنك من حيث لا يوجد الطرب ومواضعه ؟ الصبوة للفرح ، والريب للحزن . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 223 ) .