أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

78

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : الْمِحْرابَ فيه وجهان مشهوران : أحدهما وهو مذهب سيبويه « 1 » أنه منصوب على الظرف ، وشذّ عن سائر إخوانه بعد « دَخَلَ » خاصة ، يعني أن كلّ ظرف مكان مختص لا يصل إليه الفعل إلا بواسطة « في » نحو : « صلّيت في المحراب » ولا تقول : المحراب ، ونمت في السوق ، ولا تقول : السوق ، إلا مع « دَخَلَ » خاصة ، نحو : دخلت السوق والبيت ، وإلا ألفاظا أخر ذكرتها في كتب النحو . والثاني : مذهب الأخفش ، وهو نصب ما بعد « دَخَلَ » على المفعول به لا على الظرف ، فقولك : « دخلت البيت » كقولك : « هدمت البيت » في نصب كلّ منهما على المفعول به . وهو قول مرجوح بدليل أنّ « دَخَلَ » لو سلّط على غير الظرف المختص وجب وصوله بوساطة « في » تقول : « دخلت في الأمر » ولا تقول : دخلت الأمر ، فدلّ ذلك على عدم تعدّيه للمفعول به بنفسه . والمحراب : قال أبو عبيدة : « هو أشرف المجالس ومقدّمها ، وهو كذلك من المسجد » . وقال أبو عمرو بن العلاء : « هو القصر لعلوّه وشرفه » . وقال الأصمعي : « هو الغرفة » ، وأنشد لامرىء القيس : 1252 - وما ذا عليه أن ذكرت أوانسا * كغزلان رمل في محاريب أقيال « 2 » قالوا : معناه في غرف أقيال . وأنشد غيره لعمر بن أبي ربيعة : 1253 - ربّة محراب إذا جئتها * لم أدن حتّى أرتقي سلّما « 3 » وقيل : هو المحراب من المسجد المعهود وهو الأليق بالآية . وأمّا ما ذكرته عمّن تقدّم فإنما يعنون به المحراب من حيث هو ، وأمّا في هذه الآية فلا يظهر بينهم خلاف « في » أنه المحراب المتعارف ، قيل : واشتقاقه من الحرب لتحارب الناس عليه . وأمال ابن ذكوان عن ابن عامر « الْمِحْرابَ » في هذه السورة موضعين « 4 » بلا خلاف ، لكونه قوي فيه سبب الإمالة ، وذلك أن الألف تقدّمها كسرة وتأخّرت عنها كسرة أخرى فقوي داعي الإمالة ، وهذا بخلاف « الْمِحْرابَ » غير المجرور فإنه نقل عن ابن ذكوان فيه الوجهان : الإمالة وعدمها نحو قوله : إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ « 5 » فوجه الإمالة تقدّم الكسرة ، ووجه التفخيم أنه الأصل ، وقد تقدّم لك الفرق بين كونه مجرورا فلم يخبر عنه فيه خلاف وبين كونه غير مجرور فجرى فيه الخلاف ، وكذلك جرى عنه الخلاف أيضا في « عمران » لما ذكرت لك من تقدّم الكسر . قوله : وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً هذه « وَجَدَ » بمعنى أصاب ولقي وصادف فتعدّى لواحد وهو « رِزْقاً » ، و « عِنْدَها » الظاهر أنه ظرف للوجدان . وأجاز أبو البقاء أن يكون حالا من « رِزْقاً » لأنه يصلح أن يكون صفة له في الأصل ، وعلى هذا فيتعلّق

--> ( 1 ) انظر الكتاب 1 / 15 . ( 2 ) انظر ديوانه ( 34 ) ، اللسان ( حرب ) . ( 3 ) البيت لوضاح اليمن لا كما قال المصنف انظر معاني القرآن للزجاج 1 / 406 ، الجمهرة 1 / 219 ، تفسير القرطبي اللسان ( حرب ) . ( 4 ) الموضع الثاني عند قوله تعالى ( 39 ) يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ . ( 5 ) سورة ص ، آية ( 21 ) .