أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
654
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
متعلق بمحذوف ؛ لأنه حال من فاعل « يَكْفُرْ » . وقوله : « عَذاباً » فيه وجهان : أظهرهما : أنه اسم مصدر بمعنى التعذيب ، أو مصدر على حذف الزوائد نحو : « عطاء ونبات » ل « أعطى » و « أنبت » ، وانتصابه على المصدرية بالتقديرين المذكورين . والثاني - أجازه أبو البقاء - : أن يكون مفعولا به على السّعة ، يعني جعل الحدث مفعولا به مبالغة ، وحينئذ يكون نصبه على التشبيه بالمفعول به ، والمنصوب على التشبيه بالمفعول به عند النحاة ثلاثة أنواع : معمول الصفة المشبهة ، والمصدر ، والظرف المتسع فيهما ، أمّا المصدر فكما تقدّم ، وأمّا الظرف فنحو : « يوم الجمعة صمته » ، ومنه قوله : 1864 - ويوم شهدناه سليما وعامرا * قليل سوى الطّعن النّهال نوافله « 1 » قال الزمخشري : « ولو أريد بالعذاب ما يعذّب به لكان لا بد من الباء » قلت : إنما قال ذلك لأنّ إطلاق العذاب على ما يعذّب به كثير ، فخاف أن يتوهّم ذلك ، وليس لقائل أن يقول : كان الأصل : بعذاب ، ثم حذف الحرف فانتصب المجرور به ، لأنّ ذلك لم يطّرد إلّا مع « أنّ » بشرط أمن اللّبس . قوله : لا أُعَذِّبُهُ الهاء فيها ثلاثة أوجه : أظهرها : أنها عائدة على « عذاب » الذي تقدم أنه بمعنى التعذيب ، التقدير : فإني أعذّبه تعذيبا لا أعذّب مثل ذلك التعذيب أحدا ، والجملة في محلّ نصب صفة ل « عَذاباً » وهذا وجه سالم من تكلّف ستراه في غيره . ولمّا ذكر أبو البقاء هذا الوجه - أعني عودها على « عَذاباً » المتقدم - قال : « وفيه على هذا وجهان : أحدهما : على حذف حرف الجر ، أي : لا أعذب به أحدا . والثاني : أنه مفعول به على السّعة » . قلت : أمّا قوله « حذف الحرف » فقد عرفت أنه لا يجوز إلا فيما استثني . الثاني : من أوجه الهاء : أنها تعود على « من » المتقدمة في قوله : « فَمَنْ يَكْفُرْ » والمعنى : لا أعذّب مثل عذاب الكافر أحدا ، ولا بد من تقدير هذين المضافين ليصحّ المعنى . قال أبو البقاء في هذا الوجه : « وفي الكلام حذف أي : لا أعذب الكافر أي : مثل الكافر ، أي : مثل عذاب الكافر » . الثالث : أنها ضمير المصدر المؤكد نحو : « ظننته زيدا قائما » ولمّا ذكر أبو البقاء هذا الوجه اعترض على نفسه فقال : « فإن قلت : « لا أُعَذِّبُهُ » صفة ل « عذاب » ، وعلى هذا التقدير لا يعود من الصفة على الموصوف شيء . قيل : إنّ الثاني لما كان واقعا موقع المصدر والمصدر جنس و « عَذاباً » نكرة كان الأول داخلا في الثاني ، والثاني مشتمل على الأول وهو مثل : « زيد نعم الرجل » انتهى ، فجعل الرابط العموم ، وهذا الذي ذكره من أنّ الربط بالعموم إنما ذكره النحويون في الجملة الواقعة خبرا لمبتدأ ، ولذلك نظّره أبو البقاء ب « زيد نعم الرجل » وهذا لا ينبغي أن يقاس عليه ، لأن الربط يحصل في الخبر بأشياء لا تجوز في الجملة الواقعة صفة ، وهذا منها ، ثم هذا الاعتراض الذي ذكره وارد عليه في الوجه الثاني ؛ فإنّ الجملة صفة ل « عَذاباً » وليس فيها ضمير ، فإن قيل : ليست هناك بصفة ، قيل :
--> ( 1 ) تقدم .