أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

655

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يفسد المعنى بتقدير الاستئناف ، وعلى صحته فلتكن هنا أيضا مستأنفة . و « أَحَداً » منصوب على المفعول الصريح و « مِنَ الْعالَمِينَ » صفة ل « أَحَداً » فيتعلّق بمحذوف . قوله تعالى : وَإِذْ قالَ اللَّهُ : هل هذا القول وقع وانقضى أو سيقع يوم القيامة ؟ قولان للناس . فقال بعضهم : لمّا رفعه إليه قال له ذلك ، وعلى هذا ف « إِذْ » و « قالَ » على موضوعهما من المضيّ وهو الظاهر . وقال بعضهم : سيقوله له يوم القيامة ، وعلى هذا ف « إِذْ » بمعنى « إذا » ، و « قالَ » بمعنى « يقول » وكونها بمعنى « إذا » أهون من قول أبي عبيد إنها زائدة ؛ لأنّ زيادة الأسماء ليست بالسهلة . قوله تعالى : أَ أَنْتَ قُلْتَ دخلت الهمزة على المبتدأ لفائدة ذكرها أهل البيان وهو : أن الفعل إذا علم وجوده وشكّ في نسبته إلى شخص أولي الاسم المشكوك في نسبة الفعل إليه للهمزة فيقال : « أأنت ضرب زيدا » فضرب زيد قد صدر في الوجود وإنما شكّ في نسبته إلى المخاطب ، وإن شكّ في أصل وقوع الفعل أولي الفعل للهمزة فيقال : « أضربت زيدا » لم تقطع بوقوع الضرب بل شككت فيه ، والحاصل : أنّ الهمزة يليها المشكوك فيه ، جئنا إلى الآية الكريمة فالاستفهام فيها يراد به التقريع والتوبيخ بغير عيسى عليه السّلام وهم المتّخذون له ولأمه إلهين ، دخل على المبتدأ لهذا المعنى الذي قد ذكرته ، لأن الاتخاذ قد وقع لا بد . واللام في « لِلنَّاسِ » للتبليغ فقط ، و « و اتَّخِذُونِي » يجوز أن تكون بمعنى « صيّر » فتتعدّى لاثنين ثانيهما « إِلهَيْنِ » ، وأن تكون المتعدية لواحد ف « إِلهَيْنِ » حال . و « مِنْ دُونِ اللَّهِ » فيه وجهان : أظهرهما : أنه متعلق بالاتخاذ . وأجاز أبو البقاء - وبه بدأ - أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه صفة ل « إِلهَيْنِ » . قوله : سُبْحانَكَ أي : تنزيها ، وتقدّم الكلام عليه في البقرة « 1 » مشبعا ، ومتعلّقه هنا محذوف فقدّره الزمخشري : « سبحانك من أن يكون لك شريك » وقدّره ابن عطية : « عن أن يقال هذا وينطق به » ورجّحه الشيخ « 2 » لقوله : بعد : ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ . قوله : « أَنْ أَقُولَ » في محلّ رفع لأنه اسم « يَكُونُ » ، والخبر في الجار قبله ، أي : ما ينبغي لي قول كذا . و « ما » يجوز أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة ، والجملة بعدها صلة فلا محلّ لها ، أو صفة فمحلّها النصب ، فإنّ « ما » منصوبة ب « أَقُولَ » نصب المفعول به لأنها متضمنة لجملة فهو نظير « قلت كلاما » ، وعلى هذا فلا يحتاج أن يؤوّل « أَقُولَ » بمعنى أدّعي أو أذكر ، كما فعله أبو البقاء . وفي « لَيْسَ » ضمير يعود على ما هو اسمها ، وفي خبرها وجهان : أحدهما : أنه « لِي » أي : ما ليس مستقرا لي وثابتا . وأمّا « بِحَقٍّ » على هذا ففيه ثلاثة أوجه ، ذكر أبو البقاء منها وجهين :

--> ( 1 ) انظر تفسير الآية ( 32 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 58 ) .