أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
641
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
« واسمعوا خبر يوم يجمع » ، ولم يذكر أبو البقاء غير هذين الوجهين وبدأ بأولهما . وفي نصبه ب « لا يَهْدِي » نظر من حيث إنه لا يهديهم مطلقا لا في ذلك اليوم ولا في الدنيا ، أعني المحكوم عليهم بالفسق ، وفي تقدير الزمخشري « لا يهديهم إلى طريق الجنة » نحوّ إلى مذهبه من أنّ نفي الهداية المطلقة لا يجوز على اللّه تعالى ، ولذلك خصّص المهدى إليه ولم يذكر غيره ، والذي سهّل ذلك عنده أيضا كونه في يوم لا تكليف فيه ، وأما في دار التكليف فلا يجيز المعتزلي أن ينسب إلى اللّه تعالى نفي الهداية مطلقا البتة . الثامن : أنه منصوب ب « اسْمَعُوا » قاله الحوفي ، وفيه نظر لأنهم ليسوا مكلّفين بالسماع في ذلك اليوم ، إذ المراد بالسماع السماع التكليفي . التاسع : أنه منصوب بإضمار فعل متأخر أي : يوم يجمع اللّه الرسل كان كيت وكات ، قاله الزمخشري . العاشر : قلت : يجوز أن تكون المسألة من باب الإعمال ، فإنّ كلا من هذه العوامل الثلاثة المتقدمة يصحّ عليه بدليل أنّ العلماء جوّزوا فيه ذلك ، وتكون المسألة ممّا تنازع فيها ثلاثة عوامل وهي « اتَّقُوا » و « اسْمَعُوا » و « لا يَهْدِي » ، ويكون من إعمال الأخير لأنه قد حذف من الأوّلين ولا مانع يمنع من الصناعة ، وأمّا المعنى فقد قدّمت أنه لا يظهر نصب « يَوْمَ » بشيء من الثلاثة لأنّ المعنى يأباه ، وإنما أجزت ذلك جريا على ما قالوه وجوّزوه ، لا سيما أبو فإنه لم يذكر غير كونه منصوبا ب « اسْمَعُوا » أو ب « لا يَهْدِي » ، وكذا الحوفي جوّز أن ينتصب ب « اتَّقُوا » وب « اسْمَعُوا » . الحادي عشر : أنه منصوب ب « قالُوا : لا عِلْمَ لَنا » أي : قال الرسل يوم جمعهم وقول اللّه لهم ماذا أجبتم . واختاره الشيخ « 1 » على جميع ما تقدم ، قال : « وهو نظير ما قلناه في قوله تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ، قالُوا : أَ تَجْعَلُ « 2 » » وهو وجه حسن . قوله : ما ذا أُجِبْتُمْ فيه أربعة أقوال : أحدها : أنّ « ما ذا » بمنزلة اسم واحد ، فغلب فيه جانب الاستفهام ومحلّه النصب على المصدر بما بعده ، والتقدير : أيّ إجابة أجبتم قال الزمخشري : « ما ذا أُجِبْتُمْ » منتصب انتصاب مصدره على معنى : أيّ إجابة أجبتم ، ولو أريد الجواب لقيل : « بماذا أجبتم » أي : لو أريد الكلام المجاب لقيل : بما ذا . ومن مجيء « ما ذا » كلّه مصدرا قوله : 1841 - ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما * لا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا « 3 » الثاني : أن « ما » استفهامية في محل رفع بالابتداء و « ذا » خبره ، وهي موصولة بمعنى الذي لاستكمال الشرطين المذكورين ، و « أُجِبْتُمْ » صلتها ، والعائد محذوف أي : ما الذي أجبتم به ، فحذف العائد ، قاله الحوفي . وهذا لا يجوز ، لأنه لا يجوز حذف العائد المجرور إلا إذا جرّ الموصول بحرف مثل ذلك الحرف الجارّ للعائد ، وأن
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 48 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 30 ) . ( 3 ) البيت لعبد مناف الهذلي انظر ديوان الهذليين ( 2 / 38 ) ، - - شرح أشعار الهذليين ( 2 / 671 ) ، البحر المحيط ( 5 / 173 ) ، التهذيب غار ( 8 / 182 ) ، اللسان ( غبر ) ، ( لعج ) ، والبؤس : الشدة والضيق .