أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

642

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يتّحد متعلّقاهما نحو : « مررت بالذي مررت » أي به ، وهذا الموصول غير مجرور ، لو قلت : « رأيت الذي مررت » أي : مررت به لم يجز ، اللهم إلا أن يدّعى حذفه على التدريج بأن يحذف حرف الجر فيصل الفعل إلى الضمير فيحذف كقوله : وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا « 1 » أي في أحد أوجهه ، وقوله : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ « 2 » في أحد وجهيه ، وعلى الجملة فهو ضعيف . الثالث : أنّ « ما » مجرورة بحرف جرّ مقدّر ، لمّا حذف بقيت في محل نصب ، ذكره أبو البقاء وضعّف الوجه الذي قبله - أي كون ذا موصولة - فإنه قال : « ما ذا » في موضع نصب ب « أُجِبْتُمْ » وحرف الجرّ محذوف ، و « ما » و « ذا » هنا بمنزلة اسم واحد ، ويضعف أن تجعل « ما » بمعنى الذي لأنه عائد هنا ، وحذف العائد مع حرف الجرّ ضعيف » . قلت : أمّا جعله حذف العائد المجرور ضعيفا فصحيح تقدّم شرحه والتنبيه عليه ، وأمّا حذف حرف الجر وانتصاب مجروره فهو ضعيف أيضا ، لا يجوز إلا في ضرورة كقوله : 1842 - فبتّ كأنّ العائدات فرشنني * . . . « 3 » وقوله : 1843 - . . . * وأخفي الّذي لولا الأسى لقضاني « 4 » وقوله : 1844 - تمرّون الدّيار ولم تعوجوا * . . . « 5 » وقد تقدّم تحقيق ذلك واستثناء ذلك المطّرد منه ، فقد فرّ من ضعيف ووقع في أضعف منه . الرابع : قال ابن عطية : « معناه : ماذا أجابت به الأمم » فجعل « ما ذا » كناية عن المجاب به لا المصدر ، وبعد ذلك ، فهذا الكلام منه محتمل أن يكون مثل ما تقدّم حكايته عن الحوفي في جعله « ما » مبتدأ استفهامية ، و « ذا » خبره على أنها موصولة ، وقد تقدّم التنبيه على ضعفه ، ويحتمل أن يكون « ما ذا » كلّه بمنزلة اسم استفهام في محلّ رفع بالابتداء ، و « أُجِبْتُمْ » خبره ، والعائد محذوف كما قدّره هو ، وهو أيضا ضعيف ؛ لأنه لا يحذف عائد المبتدأ وهو مجرور إلا في مواضع ليس هذا منها ، لو قلت : « زيد مررت » لم يجز ، وإذا تبيّن ضعف هذه الأوجه رجّح الأول . والجمهور على « أُجِبْتُمْ » مبنيا للمفعول ، وفي حذف الفاعل هنا ما لا يبلغ كنهه من الفصاحة والبلاغة حيث اقتصر على خطاب رسله غير مذكور معهم غيرهم ، رفعا من شأنهم وتشريفا واختصاصا . وقرأ ابن عباس وأبو حيوة

--> ( 1 ) سورة التوبة ، الآية ( 69 ) . ( 2 ) سورة الحجر ، الآية ( 94 ) . ( 3 ) صدر بيت للنابغة الذبياني وعجزه : . . . * هراسا ، به يعلى فراشي ويقشب انظر ديوانه ( 17 ) تهذيب اللغة ( 6 / 124 ) ( هرس ) لسان العرب ( فشب - هرس ) . العائدات : الزائرات في المرض . ( 4 ) عجز بيت لعروة بن حزام العذري وصدره : تحنّ فتبدي ما بها من صبابة * . . . انظر شرح الحماسة ( 1 / 344 ) ، المغني ( 1 / 142 ) ، شرح الكافية الشافية ( 2 / 635 ) ، الكامل ( 1 / 32 ) ، البحر ( 7 / 240 ) ، العيني ( 2 / 552 ) ، اللسان ( غرض ) . ( 5 ) تقدم .