أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
64
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : « مُحْضَراً » وليس بالقويّ في المعنى . و « ما » يجوز فيها وجهان : أظهرهما : أنها بمعنى الذي ، فالعائد على هذا مقدّر أي : ما عملته ، فحذف لاستكمال الشروط ، و « مِنْ خَيْرٍ » حال : إمّا من الموصول وإمّا من عائده ، ويجوز أن تكون « مِنْ » لبيان الجنس . ويجوز أن تكون « ما » مصدرية ، ويكون المصدر حينئذ واقعا موقع المفعول تقديره : يوم تجد كلّ نفس عملها أي : معمولها ، فلا عائد حينئذ عند الجمهور . قوله : وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ : يجوز في « ما » هذه أن تكون منسوقة على « ما » التي قبلها بالاعتبارين المذكورين فيها أي : وتجد الذي عملته أو : وتجد عملها أي : معمولها من سوء ، فإن جعلنا « تَجِدُ » متعدية لاثنين فالثاني محذوف ، أي : وتجد الذي عملته من سوء محضرا ، أو تجد عملها محضرا نحو : « علمت زيدا ذاهبا وبكرا » أي : وبكرا ، ذاهبا ، فحذفت مفعوله الثاني للدلالة عليه بذكره مع الأول ، وإن جعلناها متعدية لواحد فالحال من الموصول أيضا محذوفة أي : تجده محضرا ؛ أي : في هذه الحال ، وهذا نظير قولك : « أكرمت زيدا ضاحكا وعمرا » أي : وعمرا ضاحكا ، حذفت حال الثاني لدلالة حال الأول عليه ، وعلى هذا فيكون في الجملة من قوله « تَوَدُّ » وجهان : أحدهما : أن تكون في محل نصب على الحال من فاعل « عَمِلَتْ » أي : وما عملته حال كونها وادّة أي : متمنية البعد من السوء . والثاني : أن تكون مستأنفة ، أخبر اللّه عنها بذلك ، ويجوز أن تكون « ما » مرفوعة بالابتداء ، والخبر الجملة من قوله : « تَوَدُّ » أي : والذي عملته - أو وعملها - تودّ لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا . والضمير في « بَيْنَهُ » فيه وجهان : أحدهما - وهو الظاهر - عوده على « ما عَمِلَتْ » ، وأعاده الزمخشري على « اليوم » . قال الشيخ « 1 » : « وأبعد الزمخشري في عوده على « اليوم » لأنّ أحد القسمين اللذين أحضرا في ذلك له هو الخير الذي عمله ، ولا يطلب تباعد وقت إحضار الخير إلا بتجوّز ، إذ كان يشتمل على إحضار الخير والشر فتودّ تباعده لتسلم من الشر ، ودعه لا يحصل له الخير ، والأولى عوده إلى ما عملت من السوء لأنه أقرب مذكور . ولأن المعنى : أن السوء يتمنّى في ذلك اليوم التباعد منه » . فإن قيل : هل يجوز أن تكون « ما » هذه شرطية ؟ فالجواب أن الزمخشري وابن عطية منعا من ذلك ، وجعلا علة المنع عدم « جزم » الفعل الواقع جوابا وهو « تَوَدُّ » ، وهذا ليس بشيء ، لأنّ الناس نصّوا على أنه إذا وقع فعل الشرط ماضيا والجزاء مضارعا جاز في ذلك المضارع وجهان : الجزم والرفع ، وقد سمعا من لسان العرب ، ومنه بيت زهير : 1235 - وإن أتاه خليل يوم مسألة * يقول لا غائب مالي ولا حرم « 2 »
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 427 . ( 2 ) انظر ديوانه ( 115 ) ، الكتاب 3 / 66 ، ابن يعيش 8 / 157 ، التصريح 2 / 249 ، الهمع 2 / 60 ، العيني 4 / 429 ، شرح شواهد المغني 283 ، الدرر 2 / 76 ، الانصاف 625 ،