أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

65

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ومن الجزم قوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ « 1 » ، مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها « 2 » فدلّ ذلك على أن المانع من شرطيتها ليس هو رفع « تَوَدُّ » . وأجاب الشيخ « 3 » بأنها ليست شرطية لا لما ذكره الزمخشري وابن عطية بل لعلة أخرى . ولنذكر ههنا ما ذكره قال : « كنت سئلت عن قول الزمخشري » . فذكره ثم قال : « ولنذكر ههنا » ما تمسّ إليه الحاجة بعد أن نقدّم ما ينبغي تقديمه في هذه المسألة فنقول : إذا كان فعل الشرط ماضيا وبعده مضارع تتمّ به جملة الشرط والجزاء جاز في ذلك المضارع الجزم وجاز فيه الرفع ، مثال ذلك : « إن قام زيد يقم ويقوم عمرو » فأما الجزم فعلى جواب الشرط ، ولا نعلم في ذلك خلافا وأنه فصيح إلا ما ذكره صاحب كتاب « الإعراب » عن بعض النحويين أنه لا يجيء في الكلام الفصيح ، وإنما يجيء مع « كانَ » كقوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ لأنها أصل الأفعال ولا يجوز ذلك مع غيرها ، وظاهر كلام سيبويه « 4 » وكلام الجماعة أنه لا يختصّ ذلك ب « كانَ » * بل سائر الأفعال في ذلك مثل « كانَ » * ، وأنشد سيبويه للفرزدق : 1236 - دسّت رسولا بأنّ القوم إن قدروا * عليك يشفوا صدورا ذات توغير « 5 » وقال أيضا : 1237 - تعشّ فإن عاهدتني لا تخونني * نكن مثل من يا ذئب يصطحبان « 6 » وأما الرفع فإنه مسموع من لسان العرب كثيرا ، وقال بعض أصحابنا : هو أحسن من الجزم ، ومنه بيت زهير السابق إنشاده ، ومثله أيضا قوله : 1238 - وإن شلّ ريعان الجميع مخافة * نقول جهارا ويلكم لا تنفّروا « 7 »

--> المحتسب 2 / 65 ، المغني ( 422 ) ، الشذور ( 349 ) ، الخليل : المحتاج ذو الخلة ، والمسألة : السؤال ، أي إذا سئل لم يعتل لسائله بأن ماله غائب أو محرم على طلابه . ( 1 ) سورة هود ، آية ( 15 ) . ( 2 ) سورة الشورى ، آية ( 20 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط 2 / 428 . ( 4 ) انظر الكتاب 1 / 437 . ( 5 ) انظر ديوانه ( 189 ) ، الكتاب 1 / 437 ، الهمع 2 / 60 ، الدرر 2 / 77 ، اللسان ( وغر ) . دست رسولا : أرسلته في خفية للإخبار ، والتوغير : الإغراء بالحقد ، وأصله من وغرة القدر ، وهي فورتها عند الغلي . ( 6 ) البيت للفرزدق أيضا انظر ديوانه ( 628 ) ، الكتاب 2 / 416 ، الخصائص 2 / 422 ، وابن الشجري 2 / 113 ، العيني 1 / 461 ، ابن يعيش 2 / 132 ، الهمع 1 / 87 ، الأشموني 1 / 153 ، الجمل ( 343 ) ، المحتسب 1 / 219 ، 2 / 145 ، المغني ( 404 ) ، الدرر 1 / 64 - 65 . كان الفرزدق قد اجتزر شاة ثم أعجله المسير فسار بها ، فجاء الذئب فحركها وهي مربوطة على بعير فأبصر الفرزدق الذئب وهو ينهشها فقطع رجل الشاة فرمى بها إليه فأخذها وتنحى ثم عاد فقطع له اليد فرمى بها إليه ، فلما أصبح النوم خبرهم الفرزدق بما كان . ويروى : « فإن واثقتني لا تخونني » . ( 7 ) البيت لزهير انظر ديوانه ( 57 ) ، البحر المحيط 2 / 429 ( 5 / 210 ) شل : طرد ، الريعان : أول الشيء ، الجميع : الحي ، وقبله : إذا ما سمعنا صارخا معجب بنا * إلى صوته ، ورق المراكل . ضمر