أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
633
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
موصولة الهمزة ، على أن الجر بحرف القسم المقدّر من غير عوض منه بقطع ولا همزة استفهام ، وهو مختصّ بذلك . وقوله تعالى : إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ هذه الجملة لا محلّ لها لأنها استئنافية ، أخبروا عن أنفسهم بأنهم من الآثمين إن كتموا الشهادة ، ولذلك أتوا ب « إِذا » المؤذنة بالجزاء والجواب . وقرأ الجمهور : « لَمِنَ الْآثِمِينَ » من غير نقل ولا إدغام . وقرأ ابن محيصن والأعمش : « لملّاثمين » بإدغام نون « من » في لام التعريف بعد أن نقل إليها حركة الهمزة في « آثمين » فاعتدّ بحركة النقل فأدغم ، وهي نظير قراءة من قرأ : « عادا لّولى » « 1 » بالإدغام ، وهناك إن شاء اللّه يأتي تحقيق ذلك وبه القوة . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 107 إلى 108 ] فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 107 ) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 108 ) قوله تعالى : فَإِنْ عُثِرَ : مبني للمفعول ، والقائم مقام فاعله الجارّ بعده ، أي : فإن اطّلع على استحقاقهما الإثم يقال : [ عثر الرجل يعثر ] عثورا : إذا هجم على شيء لم يطّلع عليه غيره ، وأعثرته على كذا : أطلعته عليه ، ومنه قوله تعالى : أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ « 2 » . قال أهل اللغة : « وأصله من « عثرة الرجل » وهي الوقوع ، وذلك أن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه ، فإن عثر به اطّلع عليه ونظر ما هو ، فقيل لكل أمر كان خفيّا ثم اطّلع عليه : « عثر عليه » . وقال الليث : « عثر يعثر عثورا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره ، وعثر يعثر عثرة وقع على شيء ، ففرّق بين الفعلين بمصدريهما . وفرّق أبو البقاء بينهما بغير ذلك فقال : « عثر مصدره العثور ، ومعناه اطّلع ، فأمّا « عُثِرَ » في مشيه ومنطقه ورأيه فالعثار » . والراغب جعل المصدرين على حدّ سواء فإنه قال : « عثر الرجل بالشيء يعثر عثورا وعثارا : إذا سقط عليه ، ويتجوّز به فيمن يطّلع على أمر من غير طلبه ، يقال : « عثرت على كذا » . وقوله : وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ « 3 » أي : وقّفناهم عليهم من غير أن طلبوا » . قوله تعالى : فَآخَرانِ فيه أربعة أوجه : الأول : أن يرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره : فالشاهدان آخران ، والفاء جواب الشرط ، دخلت على الجملة الاسمية ، والجملة من قوله : « يَقُومانِ » في محلّ رفع صفة ل آخران . الثاني : أنه مرفوع بفعل مضمر تقديره : فليشهد آخران ، ذكره مكي وأبو البقاء ، وقد تقدّم أن الفعل لا يحذف وحده إلا في مواضع ذكرتها عند قوله : حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ « 4 » . الثالث : أنه خبر مقدم ، و « الْأَوْلَيانِ » مبتدأ مؤخر ، والتقدير : فالأوليان بأمر الميت آخران يقومان مقامهما ،
--> ( 1 ) سورة النجم ، الآية ( 50 ) . ( 2 ) سورة الكهف ، الآية ( 21 ) . ( 3 ) سورة الكهف ، الآية ( 21 ) . ( 4 ) سورة المائدة ، الآية ( 106 ) .