أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
634
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ذكر ذلك أبو عليّ . قال : « ويكون كقولك : « تميمي أنا » . الرابع : أنه مبتدأ ، وفي الخبر حينئذ احتمالات : أحدها : قوله : « مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ » ، وجاز الابتداء به لتخصّصه بالوصف وهو الجملة من « يَقُومانِ » . والثاني : أنّ الخبر « يَقُومانِ » و « مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ » صفة المبتدأ ، ولا يضرّ الفصل بالخبر بين الصفة وموصوفها ، والمسوّغ أيضا للابتداء به اعتماده على فاء الجزاء . وقال أبو البقاء لمّا حكى رفعه بالابتداء : « وجاز الابتداء هنا بالنكرة لحصول الفائدة » فإن عنى أنّ المسوّغ مجرد الفائدة من غير اعتبار مسوّغ من المسوّغات التي ذكرتها فغير مسلّم . الثالث : أنّ الخبر قوله : « الْأَوْلَيانِ » نقله أبو البقاء ، وقوله « يَقُومانِ » و « مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ » كلاهما في محلّ رفع صفة ل « آخران » ، ويجوز أن يكون أحدهما صفة والآخر حالا ، وجاءت الحال من النكرة لتخصّصها بالوصف . وفي هذا الوجه ضعف من حيث إنه إذا اجتمع معرفة ونكرة جعلت المعرفة محدّثا عنها والنكرة حديثا ، وعكس ذلك قليل جدا أو ضرورة كقوله : 1837 - . . . * يكون مزاجها عسل وماء « 1 » وكقوله : 1838 - وإنّ حراما أن أسبّ مجاشعا * بآبائي الشّمّ الكرام الخضارم « 2 » وقد فهمت ممّا تقدّم أنّ الجملة من قوله « يَقُومانِ » والجارّ من قوله : « مِنَ الَّذِينَ » : إمّا مرفوع المحلّ صفة ل « آخران » ألأ خبر عنه ، وإما منصوبه على الحال : إمّا من نفس « آخران » ، أو من الضمير المستكنّ في « آخران » ، ويجوز في قوله « مِنَ الَّذِينَ » أن يكون حالا من فاعل « يَقُومانِ » . قوله : اسْتَحَقَّ قرأ الجمهور : « اسْتَحَقَّ » مبنيا للمفعول ، « الْأَوْلَيانِ » رفعا ، وحفص عن عاصم : « اسْتَحَقَّ » مبنيا للفاعل ، « الْأَوْلَيانِ » كالجماعة ، وهي قراءة عبد اللّه بن عباس وأمير المؤمنين علي رضي اللّه عنهم ، ورويت عن ابن كثير أيضا ، وحمزة وأبو بكر عن عاصم : « اسْتَحَقَّ » مبنيا للمفعول كالجماعة ، « الأوّلين » جمع « أوّل » جمع المذكر السالم ، والحسن البصري : « اسْتَحَقَّ » مبنيا للفاعل ، « الأوّلان » مرفوعا تثنية « أوّل » ، وابن سيرين كالجماعة ، إلا أنه نصب الأوليين تثنية « أولى » . وقرىء : « الأولين » بسكون الواو وفتح اللام وهو جمع « أولى » كالأعلين في جمع « أعلى » . ولما وصل أبو إسحاق الزجاج إلى هذا الوضوع قال : « هذا موضع من أصعب ما في القرآن إعرابا » . قلت : ولعمري إنّ القول ما قالت حذام ، فإن الناس قد دارت رؤوسهم في فكّ هذا التركيب ، وقد اجتهدت - بحمد اللّه تعالى - فلخّصت الكلام فيها أحسن تلخيص ، ولا بد من ذكر شيء من معاني الآية لنستضيء
--> ( 1 ) عجز بيت لحسان بن ثابت رضي اللّه عنه من قصيدة عنه يمدح فيها النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وصدره . كأن سيئة من بيت رأس * . . . انظر ديوانه ( 73 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 49 ) ، - - المقتضب ( 4 / 92 ) ، الكامل ( 1 / 126 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 7 / 91 ، 93 ) ، المغني ( 2 / 453 ) ، الخزانة ( 9 / 224 ) ، جمل الزجاجي ( 58 ) ، المحتسب ( 1 / 279 ) ، الهمع ( 1 / 119 ) ، الصحاح « سبأ » . ( 2 ) تقدم .