أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
632
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
المشهود له أي : ولو كان المشهود له ذا قرابة . قوله : وَلا نَكْتُمُ الجمهور على رفع ميم « نَكْتُمُ » على أنّ « لا » نافية ، والجملة تحتمل وجهين ، أحدهما : - وهو الظاهر - كونها نسقا على جواب القسم فتكون أيضا مقسما عليها . والثاني : أنه إخبار من أنفسهم بأنهم لا يكتمون الشهادة ، ويتأيّد بقراءة الحسن والشعبي : « وَلا نَكْتُمُ » على النهي ، وهذه القراءة جاءت على القليل من حيث إنّ دخول « لا » الناهية على فعل المتكلم قليل ومنه : 1836 - إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد * بها أبدا ما دام فيها الجراضم « 1 » والجمهور على شَهادَةَ اللَّهِ بالإضافة ، وهي مفعول بها ، وأضيفت إليه تعالى لأنه هو الآمر بها وبحفظها وأن لا تكتم ولا تضيّع . وقرأ عليّ أمير المؤمنين ونعيم بن ميسرة والشعبي في رواية : « شَهادَةَ اللَّهِ » بتنوين شهادة ونصبها ونصب الجلالة ، وهي واضحة ، ف « شَهادَةُ » مفعول ثان ، والجلالة نصب على التعظيم وهي الأول . والأصل : ولا نكتم اللّه شهادة ، وهو كقوله : وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً « 2 » وإنما قدّمت هنا للاهتمام بها ، فإنها المحدّث عنها . وفيها وجه ثان - نقله الزهراوي - وهو أن تكون الجلالة نصبا على إسقاط حرف القسم ، والتقدير : ولا نكتم شهادة واللّه ، فلمّا حذف حرف الجر نصب المقسم به ، ولا حاجة إليه ، لأنه يستدعي حذف المفعول الأول للكتمان أي : ولا نكتم أحدا شهادة واللّه ، وفيه تكلف ، وإليه ذهب أبو البقاء أيضا قال : « على أنه منصوب بفعل القسم محذوفا » . وقرأ عليّ أمير المؤمنين والسلمي والحسن البصري : « شَهادَةُ » بالتنوين والنصب ، « آللّه » بمدّ الألف التي للاستفهام دخلت للتقرير وتوقيف نفوس الحالفين ، وهي عوض من حرف القسم المقدّر ، وهل الجرّ بها أم بالحرف المحذوف خلاف ؟ وقرأ الشعبي في رواية وغيره : « شهاده » بالهاء ويقف عليها ، ثم يبتدئ « آللّه » بقطع همزة الوصل وبمدّ الهمزة على أنها للاستفهام بالمعنى المتقدم ، وجرّ الجلالة ، وهمزة القطع تكون عوضا من حرف القسم في هذا الاسم الشريف خاصة ، تقول : « يا زيد آللّه لأفعلن » ، والذي يعوّض من حرف القسم في هذا الاسم الشريف خاصة ثلاثة : ألف الاستفهام وقطع همزة الوصل وها التي للتنبيه ، نحو : « ها اللّه » ، ويجوز مع « ها » قطع همزة الجلالة ووصلها . وهل الجرّ بالحرف المقدر أو بالعوض ؟ تقدّم أنّ فيه خلافا ، ولو قال قائل : إن قولهم « الله لأفعلنّ » بالجر وقطع الهمزة بأنها همزة استفهام لم يردّ قوله . فإن قيل : همزة الاستفهام إذا دخلت على همزة الوصل التي مع لام التعريف أو أيمن في القسم وجب ثبوت همزة الوصل ، وحينئذ إمّا : أن تسهّل وإمّا أن تبدل ألفا ، وهذه لم تثبت بعدها همزة وصل فتعيّن أن تكون همزة وصل قطعت عوضا عن حرف القسم . فالجواب : أنهم إنما أبدلوا ألف الوصل أو سهّلوها بعد همزة الاستفهام فرقا بين الاستفهام والخبر ، وهنا اللّبس مأمون فإنّ الجر في الجلالة يؤذن بذلك فلا حاجة إلى بقاء همزة الوصل مبدلة أو مسهّلة ، فعلى هذا قراءة : اللّه وآللّه بالقصر والمد تحتمل الاستفهام ، وهو تخريج حسن . قال ابن جني في هذه القراءة : « الوقف على شهادة » بسكون الهاء واستئناف القسم حسن ، لأنّ استئنافه في أول الكلام أوجه له وأشدّ هيبة من أن يدخل في عرض القول » ورويت هذه القراءة - أعني اللّه بقطع الألف من غير مدّ وجر الجلالة - عن أبي بكر عن عاصم . وقرىء : شهادة اللّه » بنصب الشهادة منونة وجر الجلالة
--> ( 1 ) البيت للفرزدق وليس من ديوانه ونسب أيضا للوليد بن عقبة انظر أمالي ابن الشجري ( 2 / 266 ) ، التصريح ( 2 / 246 ) ، المغني ( 1 / 247 ) ، العيني ( 4 / 420 ) ، - - والجراضم : أي : عظيم البطن وأراد به معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه . ( 2 ) سورة النساء ، الآية ( 42 ) .