أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
631
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الآية ممّا اجتمع فيه شرط وقسم فأجيب سابقهما ، وحذف جواب الآخر لدلالة جوابه عليه ؛ لأنّ تلك المسألة شرطها أن يكون جواب القسم صالحا لأن يكون جواب الشرط حتى يسدّ مسدّ جوابه نحو : « واللّه إن تقم لأكرمنّك » لأنك لو قدّرت « إن تقم أكرمتك » صحّ ، وهنا لا يقدّر جواب الشرط ما هو جواب للقسم ، بل يقر جوابه قسما برأسه ، ألا ترى أنّ تقديره هنا : « إن ارتبتم حلّفوهما » ولو قدّرته : إن ارتبتم فلا نشتري لم يصحّ ، فقد اتفق هنا أنه اجتمع شرط وقسم وقد أجيب سابقهما ، وحذف جواب الآخر وليس من تيك القاعدة . وقال الجرجاني : « إنّ ثم قولا محذوفا تقديره يقسمان باللّه ويقولان هذا القول في أيمانهما ، والعرب تضمر القول كثيرا ، كقوله تعالى : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ « 1 » أي : يقولون سلام عليكم » . ولا أدري ما حمله على إضمار هذا القول ؟ . قوله : بِهِ في هذه الهاء ثلاثة أقوال : أحدها : أنها تعود على اللّه تعالى . الثاني : أنها تعود على القسم . الثالث : - وهو قول أبي علي - أنها تعود على تحريف الشهادة ، وهذا قويّ من حيث المعنى . وقال أبو البقاء : « تعود على اللّه أو القسم أو الحلف أو اليمين أو تحريف الشهادة أو على الشهادة لأنها قول » قلت : قوله : « أو الحلف أو اليمين » لا فائدة فيه إذ هما شيء واحد ، وكذلك قول من قال : إنها تعود على اللّه تعالى ، لا بد أن يقدّر مضافا محذوفا أي : لا نشتري بيمين اللّه أو قسمه ونحوه ، لأنّ الذات المقدسة لا يقال فيها ذلك . وقال مكي : « وقيل : الهاء تعود على الشهادة لكن ذكّرت لأنها قول كما قال : فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ « 2 » فردّ الهاء على المقسوم لدلالة القسمة على ذلك » . والاشتراء هنا هل هو باق على حقيقته أو يراد به البيع ؟ قولان ، أظهرهما الأول ، وبيان ذلك مبنيّ على نصب « ثَمَناً » وهو منصوب على المفعولية ، قال الفارسيّ : « وتقديره : لا نشتري به ذا ثمن ، ألا ترى أنّ الثمن لا يشترى ، وإنما يشترى ذو الثمن قال : « وليس الاشتراء هنا بمعنى البيع وإن جاء لغة ، لأنّ البيع إبعاد عن البائع ، وليس المعنى عليه ، إنما معناه التمسّك به والإيثار له على الحقّ » . وقد نقل الشيخ « 3 » هذا الكلام بعينه ولم يعزه لأبي علي . وقال مكي : « معناه ذا ثمن ، لأنّ الثمن لا يشترى ، إنما يشترى ذو الثمن ، وهو كقوله : اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً « 4 » أي ذا ثمن » . وقال غيره : « إنه لا يحتاج إلى حذف مضاف » . قال أبو البقاء : « ولا حذف فيه لأنّ الثمن يشترى كما يشترى به ، وقيل : التقدير : ذا ثمن » ، وقال بعضهم : « لا نشتري : لا نبيع بعهد اللّه بغرض نأخذه ، كقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا « 5 » ، فمعنى « لا نَشْتَرِي بِهِ » لا نأخذ ولا نستبدل ، ومن باع شيئا فقد اشترى ، ومعنى الآية : لا نأخذ بعهد اللّه ثمنا بأن نبيعه بعرض من الدنيا . قال الواحدي : « ويستغنى بهذا عن كثير من تكلّف أبي علي ، وهذا معنى قول القتيبي والجرجاني » . قوله : وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى الواو هنا كالتي سبقت في قوله : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ « 6 » في البقرة من أنها يحتمل أن يقال عاطفة أو حالية ، وأنّ جملة الامتناع حال معطوفة على حال مقدرة كقوله : « أعطوا السائل ولو على فرس » فكذا هنا تقديره : لا نشتري به ثمنا في كل حال ولو كان الحال كذا ، واسم « كانَ » مضمر فيها يعود على
--> ( 1 ) سورة الرعد ، الآية ( 23 ) . ( 2 ) سورة النساء ، الآية ( 8 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 44 ) . ( 4 ) سورة التوبة الآية ( 9 ) . ( 5 ) سورة آل عمران ، الآية ( 77 ) . ( 6 ) سورة البقرة ، الآية ( 170 ) .