أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

630

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« بعد اشتراط العدالة » بناء على مختاره في قوله : أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أي : أو عدلان آخران من الأجانب . قال الشيخ « 1 » : « في قوله : إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ إلى آخره التفات من الغيبة إلى الخطاب ، إذ لو جرى على لفظ « إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ » لكان التركيب : إن هو ضرب في الأرض فأصابته ، وإنما جاء الالتفات جمعا لأنّ « أَحَدَكُمُ » معناه : إذا حضر كلّ واحد منكم الموت » . وفيه نظر لأن الخطاب جار على أسلوب الخطاب الأول من قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إلى آخره . وقال ابن عباس : « في الكلام حذف تقديره : فأصابتكم مصيبة الموت وقد أشهدتموهما على الإيصاء » . وعن سعيد بن جبير : تقديره « وقد أوصيتم » . قال بعضهم : « هذا أولى لأنّ الوصيّ يحلف والشاهد لا يحلف » . والخطاب في « تَحْبِسُونَهُما » لولاة الأمور لا لمن خوطب بإصابته الموت لأنه يتعذّر ذلك فيه . و « مِنْ بَعْدِ » متعلق ب « تَحْبِسُونَهُما » ومعنى الحبس : المنع ، يقال : حبست وأحبست فرسي في سبيل اللّه فهو محبس وحبيس . ويقال لمصنع الماء : « حبس » لأنه يمنعه ، ويقال : « حبّست » بالتشديد أيضا بمعنى وقفت وسبلت ؛ وقد يكون التشديد للتكثير في الفعل نحو : « حبّست الرجال » . والألف واللام في « الصلاة » فيها قولان ، أحدهما : أنها للجنس أي : بعد أيّ صلاة كانت . والثاني - وهو الظاهر - أنها للعهد ، فقيل : العصر ، وقيل غير ذلك . قوله : فَيُقْسِمانِ في هذه الفاء وجهان : أظهرهما : أنها عاطفة هذه الجملة على جملة قوله : « تَحْبِسُونَهُما » فتكون في محل رفع ، أو لا محلّ لها حسبما تقدّم من الخلاف . والثاني : أنها فاء الجزاء أي : جواب شرط مقدر . قال الفارسي : « وإن شئت لم تجعل الفاء لعطف جملة ، بل تجعله جزاء كقول ذي الرمة : 1835 - وإنسان عيني يحسر الماء تارة * فيبدو ، وتارات يجمّ فيغرق « 2 » تقديره عندهم : إذا حسر بدا ، وكذا في الآية : إذا حبستموهما أقسما . وقال مكي نحوه ، فإنه قال : « ويجوز أن تكون الفاء جواب جزاء لأن « تَحْبِسُونَهُما » معناه الأمر بذلك ، وهو جواب الأمر الذي دلّ عليه الكلام كأنه قيل : إذا حبستوهما أقسما » قلت : ولا حاجة داعية إلى شيء من تقدير شرط محذوف ، وأيضا فإنه يحوج إلى حذف مبتدأ قبل قوله « فَيُقْسِمانِ » أي : فهما يقسمان ، وأيضا ف « إن تحبسوهما » تقدّم أنها صفة فكيف يجعلها بمعنى الأمر ، والطلب لا يقع وصفا ؟ وأمّا البيت الذي أنشده أبو عليّ فخرّجه النحويون على أن « يحسر الماء تارة » جملة خبرية ، وهي وإن لم يكن فيها رابط فقد عطف عليها جملة فيها رابط بالفاء السببية ، وفاء السببية جعلت الجملتين شيئا واحدا . و بِاللَّهِ متعلّق بفعل القسم ، وقد تقدّم أنه لا يجوز إظهار فعل القسم إلا معها لأنها أمّ الباب . وقوله : لا نَشْتَرِي بِهِ جواب القسم المضمر في « يقسمان » فتلقّي بما يتلقّى به . وقوله : إِنِ ارْتَبْتُمْ شرط وجوابه محذوف تقديره : إن ارتبتم فيهما فحلّفوهما ، وهذا الشرط وجوابه المقدّر معترض بين القسم وجوابه . وليس هذه

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 42 ) . ( 2 ) البيت في ديوانه ( 479 ، مجالس ثعلب ( 2 / 6 ) ، المحتسب ( 1 / 150 ) ، المقرب ( 2 / 6 ) ، الخزانة ( 1 / 312 ) ، المغني ( 2 / 501 ) ، الأشموني ( 1 / 196 ) ، الهمع ( 1 / 89 ) ، الدرر ( 1 / 74 ) ، البحر المحيط ( 6 / 45 ) .