أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
629
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
التقدير : كانوا فريقين : فريقا - أو ناسا - يصغون الزجاج ، ثم قال : وآخرين ترى الماذيّ ، ف « آخرين » من جنس قولك « فريقا » ولم يعتبره بوصفه بقوله « يصفون الزجاج » لأنه قسّم من ذكر إلى قسمين متباينين بالوصف متحدين بالجنس . قال : « وهذا الفرق قلّ من يفهمه فضلا عمّن يعرفه » . وقوله : « أَوْ » الظاهر أنها للتخيير ، وهو واضح على القول بأن معنى « مِنْ غَيْرِكُمْ » : من غير أقاربكم من المسلمين ، يعني الموصي مخيّر بين يشهد اثنين من أقاربه أو من الأجانب المسلمين ، وقيل : « أَوْ » للترتيب أي : لا يعدل عن شاهدين منكم إلا عند فقدهما ، وهذا لا يجيء إلا إذا قلنا « مِنْ غَيْرِكُمْ » : من أهل ملّتكم . قوله : إِنْ أَنْتُمْ مرفوع بمحذوف يفسّره ما بعده وهي مسألة الاشتغال ، والتقدير : إن ضربتم ، فلمّا حذف الفعل انفصل الضمير ، وهذا مذهب جمهور البصريين ، وذهب الأخفش منهم والكفوفيون إلى جواز وقوع المبتدأ بعد « إِنْ » الشرطية كما أجاوزه بعد « إذا » أيضا ، ف « ضَرَبْتُمْ » لا محلّ له عند الجمهور لكونه مفسّرا ، ومحلّه الرفع عند الكوفيين والأخفش لكونه خبرا ، ونحوه : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ « 1 » ، إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ « 2 » . وجواب الشرط محذوف يدل عليه قوله تعالى : « اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ » ، ولكنّ تقدير هذا الجواب يتوقف على خلاف في هذا الشرط : هل هو قيد في أصل الشهادة أو قيد في « آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ » فقط ؟ بمعنى أنّه لا يجوز العدول في الشهادة على الوصية إلى أهل الذمة إلا بشرط الضرب في الأرض وهو السفر . فإن قيل : هو شرط في أصل الشهادة فتقدير الجواب : إن ضربتم في الأرض فليشهد اثنان منكم أو من غيركم ، وإن كان شرطا في العدول إلى آخرين من غير الملّة فالتقدير : فأشهدوا آخرين من غيركم ، أو فالشاهد آخران من غيركم ، فقد ظهر أنّ الدالّ على جواب الشرط : إمّا مجموع قوله : « اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ إلى آخره » على القول الأول ، وإمّا « أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ » فقط على القول الثاني . والفاء في « فَأَصابَتْكُمْ » عاطفة هذه الجملة على نفس الشرط ، وقوله تعالى : « تَحْبِسُونَهُما » فيه وجهان : أحدهما : أنها في محلّ رفع صفة ل « آخَرانِ » وعلى هذا فالجملة الشرطية وما عطف عليها معترضة بين الصفة وموصوفها ، فإنّ قوله « تَحْبِسُونَهُما » صفة لقوله « آخَرانِ » وإلى هذا ذهب الفارسي ومكي بن أبي طالب والحوفي وأبو البقاء وابن عطية . وقد أوضح الفارسي ذلك بعبارة خاصة فقال : « تَحْبِسُونَهُما صفة ل « آخَرانِ » واعترض بقوله : « إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ » ، وأفاد الاعتراض أنّ العدول إلى آخرين من غير الملّة أو القرابة حسب اختلاف العلماء فيه إنما يكون مع ضرورة السفر وحلول الموت فيه ، واستغنى عن جواب « إِنْ » لما تقدّم في قوله « آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ » . قلت : فقد ظهر من كلامه أنه يجعل الشرط قيدا في « آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ » فقط لا قيدا في أصل الشهادة فتقدير الجواب على رأيه كما تقدم : « فاستشهدوا آخرين من غيركم » أو « فالشاهدان آخران من غيركم » . والثاني : أنه لا محلّ له لاستئنافه ، وإليه ذهب الزمخشري قال : « فإن قلت : ما موقع قوله : « تَحْبِسُونَهُما » ؟ قلت : هو استئناف كلام ، كأنه قيل بعد اشتراط العدالة فيهما : فكيف نعمل إن ارتبنا فيهما ؟ فقيل : تحبسونهما » . وهذا الذي ذكره أبو القاسم أوفق للصناعة ؛ لأنه يلزم في الأول الفصل بكلام طويل بين الصفة وموصوفها ، وقال :
--> ( 1 ) سورة التوبة ، الآية ( 6 ) . ( 2 ) سورة التكوير ، الآية ( 1 ) .