أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

628

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الرازي - إنّ الأصل « ما بينكم » فحذف « ما » . قال الرازي : و « بَيْنِكُمْ » كناية عن التنازع ، لأنه إنما يحتاج إلى الشهود عند التنازع ، وحذف « ما » جائز عند ظهوره ، ونظيره كقوله تعالى « لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ » في قراءة من نصب » . قال الشيخ : « وحذف « ما » الموصولة غير جائز عند البصريين ، ومع الإضافة لا يصحّ تقدير « ما » البتة ، وليس قوله « هذا فِراقُ بَيْنِي » نظير « لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ » لأن هذا مضاف ، وذلك باق على ظرفيته فيتخيّل فيه حذف « ما » بخلاف « هذا فِراقُ بَيْنِي » . و « شَهادَةُ بَيْنِكُمْ » فإنه لا يتخيّل فيه تقدير « ما » لأنّ الإضافة أخرجته عن الظرفية وصيّرته مفعولا به على السعة » . قلت : هذا الذي نقله الشيخ عنهما قاله أبو علي الجرجاني بعينه ، قال - رحمه اللّه - : « قوله شَهادَةُ بَيْنِكُمْ » أي : ما بينكم ، و « ما بينكم » كناية عن التنازع والتشاجر ، ثم أضاف الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم في التنازع الواقع فيما بين القوم ، والعرب تضيف الشيء إلى الشيء إذا كان منه بسبب كقوله تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ « 1 » أي : مقامه بين يدي ربه ، والعرب تحذف كثيرا ذكر « ما » و « من » في الموضع الذي يحتاج إليهما فيه كقوله : وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ « 2 » أي : ما ثمّ ، وكقوله : « هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ » و « لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ » أي ما بيني ، وما بينكم » ، وقول الشيخ « لا يتخيّل فيه تقدير « ما » إلى آخره » ممنوع لأنّ حالة الإضافة لا تجعلها صلة للموصول المحذوف ، ولا يلزم من ذلك أن تقدّرها من حيث المعنى لا من حيث الإعراب نظرا إلى الأصل ، وأمّا حذف الموصول فقد تقدّم تحقيقه . وقوله : ذَوا صفة لاثنين أي : صاحبا عدل ، وكذلك قوله « مِنْكُمْ » صفة أيضا لاثنين ، وقوله : « أَوْ آخَرانِ » نسق على اثنين ، و « مِنْ غَيْرِكُمْ » صفة لآخرين ، والمراد ب « مِنْكُمْ » من قرابتكم وعترتكم ، ومن غيركم من المسلمين الأجانب . وقيل : « مِنْكُمْ » من أهل دينكم ، و « مِنْ غَيْرِكُمْ » من أهل الذمة . ورجّح النحاس الأول ، فقال : « هذا ينبني على معنى غامض في العربية ، وذلك أنّ معنى « آخر » في العربية من جنس الأول تقول : « مررت بكريم وكريم آخر » ولا يجوز « وخسيس آخر » ولا : « مررت بحمار ورجل آخر » ، فكذا هنا يجب أن يكون « أَوْ آخَرانِ » : أو عدلان آخران ، والكفار لا يكونون عدولا . وردّ الشيخ « 3 » ذلك فقال : « أمّا ما ذكره من المثل فصحيح لأنه مثّل بتأخير « آخر » وجعله صفة لغير جنس الأول ، وأمّا الآية فمن قبيل ما يقدّم فيه « آخر » على الوصف واندرج « آخر » في الجنس الذي قبله ، ولا يعتبر وصف جنس الأول ، تقول : « مررت برجل مسلم وآخر كافر ، واشتريت فرسا سابقا وآخر بطيئا » ولو أخّرت « آخر » في هذين المثالين فقلت : « مررت برجل مسلم وكافر آخر » لم يجز ، وليس الآية من هذا لأن تركيبها « اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ » ف « آخَرانِ » من جنس قوله « اثْنانِ » ولا سيما إذا قدّرته : « رجلان اثنان » ف « آخَرانِ » هما من جنس « رجلان اثنان » ، ولا يعتبر وصف قوله : « ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ » وإن كان مغايرا لقوله « مِنْ غَيْرِكُمْ » ، كما لا يعتبر وصف الجنس في قولك : « عندي رجلان اثنان مسلمان وآخران كافران » ، إذ ليس من شرط « آخر » إذا تقدم أن يكون من جنس الأول بقيد وصفه ، وعلى ما ذكرته جاء لسان العرب ، قال الشاعر : 1834 - كانوا فريقين يصغون الزّجاج على * قعس الكواهل في أشداقها ضخم وآخرين ترى الماذيّ فوقهم * من نسج داود أو ما أورثت إرم « 4 »

--> ( 1 ) سورة الرحمن ، الآية ( 46 ) . ( 2 ) سورة الإنسان ، الآية ( 20 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 41 ) . ( 4 ) البيتان لزهير انظر ديوانه ( 158 ) ، البحر ( 4 / 42 ) .