أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
627
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وفيه خلاف : هل ينقاس أو لا ؟ أو يجاب به نفي كقوله : 1829 - تجلّدت حتّى قيل : لم يعر قلبه * من الوجد شيء قلت : بل أعظم الوجد « 1 » أي : بل عراه أعظم الوجد ، أو يجاب به استفهام كقوله : 1830 - ألا هل أتى أمّ الحويرث مرسلي * نعم خالد إن لم تعقه العوائق « 2 » أي : بل أتاها أو يأتيها ، وما نحن فيه ليس من الأشياء الثلاثة . الثاني : أن « شَهادَةُ » بدل من اللفظ بفعل أي : إنها مصدر ناب مناب الفعل فيعمل عمله ، والتقدير : ليشهد اثنان ، ف « اثْنانِ » فاعل بالمصدر لنيابته مناب الفعل ، أو بذلك الفعل المحذوف على حسب الخلاف في أصل المسألة ، وإنما قدّرته « ليشهد اثنان » فأتيت به فعلا مضارعا مقرونا بلام الأمر ، ولم أقدّره فعل أمر بصيغة « افعل » كما يقدّره النحويون في نحو : « ضربا زيدا » أي : اضرب ، لأنّ هذا قد رفع ظاهرا وهو « اثْنانِ » ، وصيغة « افعل » لا ترفع إلا ضميرا مستترا إن كان المأمور واحدا ، ومثله قوله : 1831 - . . . * فندلا زريق المال نذل الثّعالب « 3 » ف « زريق » يجوز أن يكون منادى أي : يا زريق ، والثاني : أنه مرفوع ب « ندلا » على أنه واقع موقع « ليندل » ، وإنما حذف تنوينه لالتقاء الساكنين على حدّ قوله : 1832 - . . . * ولا ذاكرا اللّه إلّا قليلا « 4 » الثالث : أنّ « شَهادَةُ » بدل من اللفظ بفعل أيضا ، إلا أنّ هذا الفعل خبري وإن كان أقلّ من الطلبي نحو : « حمدا وشكرا لا كفرا » ، و « اثْنانِ » أيضا فاعل به تقديره : يشهد شهادة اثنان ، وهذا أحسن التخاريج المذكورة في قول امرئ القيس : 1833 - وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم * . . . « 5 » « وقوفا » مصدر بدل من فعل خبري رفع « صحبي » ونصب « مطيهم » تقديره : وقف صحبي ، وقد تقدّم أنّ الفراء في قراءة الرفع قدّر أن « شَهادَةُ » واقعة موقع فعل ، وارتفع « اثْنانِ » بها ، وتقدم أنّ ذلك يجوز أن يكون ممّا سدّ فيه الفاعل مسدّ الخبر . و « بَيْنِكُمْ » في قراءة من نوّن « شَهادَةُ » نصب على الظرف وهي واضحة . وأمّا قراءة الجر فيها فمن باب الاتساع في الظروف أي يجعل الظرف كأنه مفعول لذلك الفعل ، ومثله : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ « 6 » وكقوله تعالى : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ « 7 » فيمن رفع . قال الشيخ « 8 » : « وقال الماتريدي - وتبعه
--> ( 1 ) انظر البيت في أوضح المسالك ( 1 / 341 ) ، العيني ( 2 / 453 ) . ( 2 ) انظر البيت في البحر ( 4 / 38 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) صدر بيت لامرىء القيس وعجزه : . . . * يقولون لا تهلك أسى وتجمل انظر ديوانه ( 31 ) ، شرح القصائد العشر ( 55 ) ، البحر المحيط ( 6 / 25 ) . ( 6 ) سورة الكهف ، الآية ( 78 ) . ( 7 ) سورة الأنعام ، الآية ( 94 ) . ( 8 ) انظر تفسير البحر المحيط ( 4 / 39 ) .