أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

626

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

1827 - إنّ امرأ خصّني عمدا مودّته * على التّنائي لعندي غير مكفور « 1 » ف « عندي » منصوب ب « مكفور » ، قالوا : لأنّ « غير » بمنزلة « لا » ، و « لا » يجوز تقديم معمول ما بعدها عليها . وقد ذكر الزمخشري ذلك آخر الفاتحة ، وذكر أنه يجوز « أنا زيدا غير ضارب » دون « أنا زيدا مثل ضارب » . و « اثْنانِ » على هذين الوجهين الأخيرين يرتفعان على أحد وجهين : إمّا الفاعلية أي : « يشهد اثنان » يدل عليه لفظ « شَهادَةُ » ، وإمّا على خبر مبتدأ محذوف مدلول عليه ب « شَهادَةُ » أيضا أي : الشاهدان اثنان . الخامس : أنّ « شَهادَةُ » مبتدأ ، و « اثْنانِ » فاعل سدّ مسدّ الخبر ، ذكره أبو البقاء وغيره مذهب الفراء ، إلا أنّ الفراء قدّر الشهادة واقعة موقع فعل الأمر كأنه قال : « ليشهد اثنان » فجعله من باب نيابة المصدر عن فعل الطلب ، وهو مثل « الْحَمْدُ لِلَّهِ » * و « قالَ سَلامٌ » « 2 » من حيث المعنى ، وهذا مذهب لبعضهم في نحو : « ضربي زيدا قائما » يدّعي أن الياء فاعل سدّت مسد الخبر ، وهذا مذهب ضعيف ردّه النحويون ، ويخصون ذلك بالوصف المعتمد على نفي أو استفهام نحو : « أقام أبواك » وعلى هذا المذهب ف « إِذا » و « حِينَ » ظرفان منصوبان على ما تقرّر فيهما في غير هذا الوجه . وقد تحصّلنا فيما تقدّم أن رفع « شَهادَةُ » من وجه واحد وهو الابتداء ، وفي خبرها خمسة أوجه تقدّم ذكرها مفصلة ، وأنّ رفع « اثْنانِ » من خمسة أوجه : الأول : كونه خبرا لشهادة بالتأويل المذكور . الثاني : أنه فاعل ب « شَهادَةُ » . الثالث : أنه فاعل ب « يشهد » مقدرا . الرابع : أنه خبر مبتدأ أي : الشاهدان اثنان . الخامس : أنه فاعل سدّ مسدّ الخبر . وأنّ في « إِذا » وجهين : أمّا النصب على الظرفية ، وإمّا الرفع على الخبرية ل « شَهادَةُ » ، وكل هذا بيّن مما لخّصته قبل . وقراءة الحسن برفعها منونة تتوجه بما تقدم في قراءة الجمهور من غير فرق . وأمّا قراءة النصب ففيها ثلاثة أوجه : أحدها - وإليه ذهب ابن جني - : أنها منصوبة بفعل مضمر ، و « اثْنانِ » مرفوع بذلك الفعل ، والتقدير : ليقم شهادة بينكم اثنان ، وتبعه الزمخشري على هذا فذكره . وقد ردّ الشيخ « 3 » هذا بأن حذف الفعل وإبقاء فاعله لم يجزه النحويون إلا أن يشعر به ما قبله كقوله تعالى : يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ « 4 » في قراءة ابن عامر وأبي بكر ، أي : يسبحه رجال ، ومثله : 1828 - ليبك يزيد ضارع لخصومة * ومختبط ممّا تطيح الطّوائح « 5 »

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة هود ، الآية ( 69 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 39 ) . ( 4 ) سورة النور ، الآية ( 36 ) . ( 5 ) تقدم .