أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
625
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قرأ الجمهور « شَهادَةُ بَيْنِكُمْ » برفع « شَهادَةُ » مضافة ل « بَيْنِكُمْ » . وقرأ الحسن والأعرج والشعبي برفعها منونة ، « بينكم » نصبا . والسلمي والحسن والأعرج - في رواية عنهما - : « شهادة » منونة منصوبة ، « بينكم » نصبا . فأمّا قراءة الجمهور ففي تخريجها خمسة أوجه : أحدها : أنها مرفوعة بالابتداء ، وخبرها « اثْنانِ » ، ولا بد على هذا الوجه من حذف مضاف : إمّا من الأول ، وإمّا من الثاني ، فتقديره من الأول : ذوا شهادة بينكم اثنان ، أي صاحبا شهادة بينكم اثنان ، وتقديره من الثاني : شهادة بينكم شهادة اثنين ، وءنما اضطررنا إلى حذف من الأول أو الثاني ليتصادق الميتدأ والخبر على شيء واحد ، لأنّ الشهادة معنى والاثنان جثتان ، ولا يجيء التقديران المذكوران في نحو : « زيد عدل » وهما جعله نفس المصدر مبالغة أو وقوعه موقع اسم الفاعل ، لأنّ المعنى يأباهما هنا ، إلا أنّ الواحدي نقل عن صاحب « النظم » أنه قال : « شَهادَةُ » مصدر وضع موضع الأسماء » يريد بالشهادة الشهود ، كما يقال : رجل عدل ورضا ، ورجال عدل ورضا وزور ، وإذا قدّرتها بمعنى الشهود كان على حذف المضاف ، ويكون المعنى : عدة شهود بينكم اثنان ، واستشهد بقوله : الْحَجُّ أَشْهُرٌ « 1 » أي : وقت الحج ، ولولا ذلك لنصب أشهرا على تأويل : الحج في أشهر » . قلت : فعلى ظاهر هذا أنه جعل المصدر نفس الشهود مبالغة ، ولذلك مثّله ب « رجال عدل » وفيه نظر . والثاني : أن ترتفع على أنها مبتدأ أيضا ، وخبرها محذوف يدلّ عليه سياق الكلام ، و « اثْنانِ » على هذا مرتفعان بالمصدر الذي هو « شَهادَةُ » ، والتقدير : فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان ، كذا قدّره الزمخشري وهو أحد قولي الزجاج ، وهو ظاهر جدا ، و « إِذا » على هذين الوجهين ظرف ل « شَهادَةُ » أي ليشهد وقت حضور الموت - أي أسبابه - و « حِينَ الْوَصِيَّةِ » على هذه الأوجه فيه ثلاثة أوجه : أوجهها : أنه بدل من « إِذا » ، ولم يذكر الزمخشري غيره ، قال : « وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية » . الثاني : أنه منصوب بنفس الموت أي : يقع الموت وقت الوصية ، ولا بدّ من تأويله بأسباب الموت ؛ لأنّ وقت الموت الحقيقي لا وصية فيه . الثالث : أنه منصوب ب « حَضَرَ » أي : حضر أسباب الموت حين الوصية . : أنّ « شَهادَةُ » مبتدأ وخبره : « إِذا حَضَرَ » ، أي وقوع الشهادة في وقت حضور الموت ، و « حِينَ » على ما تقدم فيه من الأوجه الثلاثة آنفا ، ولا يجوز فيه والحالة هذه أن يكون ظرفا للشهادة لئلا يلزم الإخبار عن الموصول قبل تمام صلته وهو لا يجوز ، وقد عرفت شرح ذلك ممّا مرّ . ولمّا ذكر الشيخ « 2 » هذا الوجه لم يستدرك هذا ، وهو عجيب منه . الرابع : أنّ « شَهادَةُ » مبتدأ ، وخبرها « حِينَ الْوَصِيَّةِ » ، و « إِذا » على هذا منصوب بالشهادة . ولا يجوز أن ينتصب بالوصية وإن كان المعنى عليه ؛ لأنّ المصدر المؤول لا يسبقه معموله عند البصريين ولو كان ظرفا ، وأيضا فإنه يلزم منه تقديم المضاف إليه على المضاف ؛ لأنّ تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل والعامل لا يتقدّم فكذا معموله ، ولم يجوّزوا تقديم معمول المضاف إليه على المضاف إلا في مسألة واحدة وهي : إذا كان المضاف لفظة « غير » ، وأنشدوا :
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 197 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 39 ) .