أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
615
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقوله تعالى : إِلَّا الْبَلاغُ : في رفعه وجهان : أحدهما : أنه فاعل بالجارّ قبله لاعتماده على النفي ، أي : ما استقرّ على الرسول إلا البلاغ . والثاني : أنه مبتدأ ، وخبره الجارّ قبله ، وعلى التقديرين فالاستثناء مفرّغ . وقوله تعالى : وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ : جوابها محذوف أي : ولو أعجبك كثرة الخبيث لما استوى مع الطيب ، أو لما أجدى شيئا في المساواة . والبلاغ يحتمل أن يكون مصدرا ل « بلّغ » مشددا أي : ما عليه إلا التبليغ ، فجاء على حذف الزوائد ، ك « نبات » بعد « أنبت » ، ويحتمل أن يكون مصدرا ل « بلغ » مخففا بمعنى البلوغ ، ويكون المعنى : ما عليه إلا البلوغ بتبليغه ، فالبلوغ مستلزم للتبليغ ، فعبّر باللازم عن الملزوم . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 101 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 101 ) قوله تعالى : عَنْ أَشْياءَ : متعلق ب « تَسْئَلُوا » . واختلف النحويون في « أَشْياءَ » على خمسة مذاهب ، أحدها - وهو رأي الخليل وسيبويه « 1 » والمازني وجمهور البصريين - : أنها اسم جمع من لفظ « شيء » فهي مفردة لفظا جمع معنى ، كطرفاء وقصباء وأصلها : شيئاء بهمزتين بينهما ألف ووزنها فعلاء ك « طرفاء » فاستثقلوا اجتماع همزتين بينهما ألف ، لا سيما وقد سبقها حرف علة وهي الياء ، وكثر دور هذه اللفظة في لسانهم فقلبوا الكلمة بأن قدّموا لامها ، وهي الهمزة الأولى على فائها وهي الشين فقالوا أشياء فصار وزنها لفعاء ، ومنعت من الصرف لألف التأنيث الممدودة . ورجّح هذا المذهب بأنه لم يلزم منه شيء غير القلب ، والقلب في لسانهم كثير كالجاه والحادي والقسيّ وناء وآدر وآرام وضئاء في قراءة قنبل وأيس . والأصل : وجه وواحد وقووس ونأى وأدور وأرآم وضياء ويئس . واعترض بعضهم على هذا بأن القلب على خلاف الأصل ، وأنه لم يرد إلا ضرورة أو في قليل من الكلام ، وهذا مردود بما قدّمته من الأمثلة ، ونحن لا ننكر أنّ القلب غير مطّرد ، وأما الشاذّ القليل فنحو قولهم : « رعملي » في « لعمري » و « شواعي » في « شوايع » قال : 1821 - وكان أولاها كعاب مقامر * ضربت على شزن فهنّ شواعي « 2 » يريد شوائع . وأمّا المذاهب الآتية فإنه يرد عليها إشكالات ، هذا المذهب سالم منها فلذلك اعتبره الجمهور دون غيره . المذهب الثاني - وبه قال الفراء - : أن أشياء جمع ل « شيء » والأصل في شيء : شيّىء على فيعل ك « ليّن » ، ثم خفّف إلى « شيء » كما خففوا ليّنا وهيّنا وميّتا إلى لين وهين وميت ، ثم جمعه بعد تخفيفه ، وأصله أشيئاء بهمزتين بينهما ألف بعد ياء بزنة أفعلاء فاجتمع همزتان : لام الكلمة والتي للتأنيث ، والألف تشبه الهمزة والجمع ثقيل ،
--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 2 / 379 ) . ( 2 ) البيت للأجدع بن مالك انظر المقتضب ( 1 / 140 ) ، - - المنصف ( 2 / 57 ) ، اللسان ( شزن ) .