أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
616
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
فخفّفوا الكلمة بأن قلبوا الهمزة الأولى ياء لانكسار ما قبلها ، فيجتمع ياءان أولاهما مكسورة ، فحذفوا الياء التي هي عين الكلمة تخفيفا فصارت أشياء ، ووزنها الآن بعد الحذف أفلاء ، فمنع الصرف لأجل ألف التأنيث ، وهذه طريقة بعضهم في تصريف هذا المذهب كمكي بن أبي طالب . وقال بعضهم كأبي البقاء : لمّا صارت إلى أشيئاء حذفت الهمزة الثانية التي هي لام الكلمة لأنّها بها حصل الثّقل ، وفتحت الياء المكسورة لتسلم ألف الجمع فصار وزنها : أفعاء . المذهب الثالث - وبه قال الأخفش - : أنّ أشياء جمع « شيىء » بزنة فلس ، أي : ليس مخففا من شيّىء كما يقوله الفراء ، بل جمع شيء وقال : « إن فعلا يجمع على أفعلاء فصار أشيئاء بهمزتين بينهما ألف بعد ياء ، ثم عمل فيه ما عمل في مذهب الفراء » ، والطريقان المذكوران عن مكي وأبي البقاء في تصريف هذا المذهب جاريان هنا ، وأكثر المصنفين يذكرون مذهب الفراء عنه وعن الأخفش . قال مكي : « وقال الفراء والأخفش والزيادي « 1 » : أشياء وزنها أفعلاء ، وأصلها أشيئاء ، كهيّن وأهوناء ، لكنه خفّف » ثم ذكر تصريف الكلمة إلى آخره . وقال أبو البقاء : « وقال الأخفش والفراء : أصل الكلمة شيّىء مثل هيّن ، ثم خفّف بالحذف » ، وذكر التصريف إلى آخره فهؤلاء نقلوا مذهبهما شيئا واحدا ، والحق ما ذكرته عنهما ، ويدل على ما قلته ما قاله الواحدي فإنه قال : « وذهب الفراء في هذا الحرف مذهب الأخفش » غير أنه خلط حين ادّعى أنها كهين ولين حين جمعا على أهوناء وأليناء ، وهين تخفيف « هيّن » فلذلك جاز جمعه على أفعلاء ، وشيء ليس مخففا من « شيّىء » حتى يجمع على أفعلاء ، وهذان المذهبان - أعني مذهب الفراء والأخفش - وإن سلما من منع الصرف بغير علة فقد ردّهما الناس ، قال الزجاج : « وهذا القول غلط لأنّ « شيئا » فعل ، وفعل لا يجمع على أفعلاء ، فأما هيّن وليّن فأصله : هيين وليين ، فجمع [ على ] أفعلاء ، كما يجمع فعيل على أفعلاء مثل : نصيب وأنصباء » قلت : وهذا غريب جدا ، أعني كونه جعل أنّ أصل هيّن هيين بزنة فعيل ، وكذا ليّن وليين ، ولذلك صرح بتشبيههما بنصيب ، والناس يقولون : إن هيّنا أصله هيون ، كميّت أصله ميوت ثم أعل الإعلال المعروف ، وأصل ليّن : لييين بياءين ، الأولى ساكنة والثانية مكسورة ، فأدغمت الأولى ، والاشتقاق يساعدهم ، فإن الهيّن من هان يهون ، ولأنهم حين جمعوه على أفعلاء أظهروا الواو فقالوا : أهوناء . وقال الزجاج : « إن المازني ناظر الأخفش في هذه المسألة فقال له : كيف تصغّر أشياء ؟ قال : أقول فيها أشيّاء . فقال المازني : لو كانت أفعالا لردّت في التصغير إلى واحدها وقيل : شييئات مثل شعيعات ، وإجماع البصريين أن تصغير أصدقاء إن كان لمؤنث « صديّقات » ، وإن كان لمذكر : « صدّيقون » فانقطع الأخفش » . قلت : وبسط هذا أنّ المع المكسّر إذا صغّر : فإمّا أن يكون من جموع القلة وهي أربع على الصحيح : أفعلة وأفعل وأفعال وفعلة ، فيصغّر على لفظه ، وإن كان من جموع الكثرة فلا يصغّر على لفظه على الصحيح ، وإن ورد منه شيء عدّ شاذا ك « أصيلان » تصغير « أصلان » جمع « أصيل » ، بل يردّ إلى واحده . فإن كان من غير العقلاء صغّر وجمع بالألف والتاء فتقول في تصغير حمر جمع حمار : « حميرات » ، وإن كان من العقلاء صغّر وجمع بالواو والنون ، فتقول في تصغير « رجال » : « رجيلون ، وإن كان اسم جمع ك « قوم » و « رهط » اسم جنس ك « قمر » و « شجر » صغّر على لفظه كسائر المفردات . رجعنا إلى أشياء فتصغيرهم لها على لفظها يدلّ على أنها اسم جمع ، لأن اسم الجمع يصغّر على لفظه نحو : « رهيط » و « قويم »
--> ( 1 ) إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن أبي بكر بن عبد الرحمن كان نحويا لغويا راوية قرأ على سيبويه كتابه ولم يتمه توفي سنة تسع - - وأربعين ومائتين انظر بغية الوعاة ( 1 / 414 ) .