أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

606

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فيها ، وأحسنوا للناس وواسوهم بأموالهم ، وإليه نحا أبو القاسم الزمخشري بعبارة قريبة من هذا المعنى . قوله تعالى : لِيَعْلَمَ اللَّهُ اللام متعلقة ب « لَيَبْلُوَنَّكُمُ » ، والمعنى : ليتميّز أو ليظهر لكم ، وقد مضى تحقيقه في البقرة ، وأنّ هذه تسمّى لام كي . وقرأ بعضهم : « ليعلم » بضم الياء وكسر اللام من أعلم ، والمفعول الأول على هذه القراءة محذوف أي : ليعلم اللّه عباده ، والمفعول الثاني هو قوله : « مَنْ يَخافُهُ » ف « أعلم » منقولة بهمزة التعدية من « علم » المتعدية لواحد بمعنى « عرف » . قوله : « بِالْغَيْبِ » في محل نصب على الحال من فاعل « يخافه » أي : يخافه ملتبسا بالغيب ، وقد تقدم معناه في البقرة « 1 » . وجوّز أبو البقاء فيه ثلاثة أوجه : أحدهما : ما ذكرته . والثاني : أنه حال من « من » في « من يخافه » . والثالث : أنّ الباء بمعنى « في » ، والغيب مصدر واقع موقع غائب أي : يخافه في المكان الغائب عن الخلق ، فعلى هذا يكون متعلقا بنفس الفعل قبله ، وعلى الأوّلين يكون متعلقا بمحذوف على ما عرف . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 95 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ( 95 ) قوله تعالى : وَأَنْتُمْ حُرُمٌ : في محل نصب على الحال من فاعل « تقتلوا » ، و « حرم » جمع حرام ، وحرام يكون للمحرم وإن كان في الحلّ ولمن في الحرم وإن كان حلالا ، وهما سيّان في النهي عن قتل الصيد ، وقد تقدم الكلام « 2 » على هذه اللفظة . قوله : « منكم » في محلّ نصب على الحال من فاعل « قتله » أي : كائنا منكم . وقيل : « من » للبيان وليس بشيء ، لأنّ كلّ من قتل صيدا حكمه كذلك . فإن قلت : هذا وارد أيضا على جعله حالا . قلت : لم يقصد لذلك مفهوم حتى إنه لو قتله غيركم لم يكن عليه جزاء ، لأنه قصد بالخطاب معنى آخر وهو المبالغة في النهي عن قتل الصيد . قوله : مُتَعَمِّداً حال أيضا من فاعل « قتله » فعلى رأي من يجوّز تعدّد الحال يجيز ذلك هنا ، ومن منع يقول : إنّ « منكم » للبيان حتى لا تتعدّد الحال ، و « من » يجوّز أن تكون شرطية وهو الظاهر ، وموصولة ، والفاء لشبهها بالشرطية ، ولا حاجة إليه وإن كانوا فعلوه في مواضع . قوله : « فجزاء » الفاء جواب الشرط أو زائدة لشبه المبتدأ بالشرط ، فعلى الأول الجملة بعدها في محلّ جزم ، وعلى الثاني في محلّ رفع ، وما بعد « من » على الأول في محلّ جزم لكونه شرطا ، وعلى الثاني لا محلّ له لكونه صلة . وقرأ أهل الكوفة : « فجزاء مثل » بتنوين جزاء ورفع

--> ( 1 ) انظر تفسير الآية ( 3 ) من سورة البقرة . ( 2 ) انظر تفسير الآية ( 1 ) من سورة المائدة .