أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
607
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
« مِثْلُ » ، وباقي السبعة برفعه مضافا إلى مِثْلُ » ، ومحمد بن مقاتل « 1 » بتنوين « جزاء » ونصبه « مِثْلُ » ، والسلمي برفع « جزاء » منونا ونصب « مِثْلُ » ، وقرأ عبد اللّه : « فجزاؤه » برفع « جزاء » مضافا لضمير « مِثْلُ » رفعا . فأمّا قراءة الكوفيين فلأنّ « مِثْلُ » صفة ل « جزاء » أي : فعليه جزاء موصوف بكونه « مثل ما قتله » أي مماثله . جوّز مكي وأبو البقاء وغيرهما أن يرتفع « مِثْلُ » على البدل ، وذكر الزجاج وجها غريبا وهو أن يرتفع « مِثْلُ » على أنه خبر ل « جزاء » ، ويكون « جزاء » مبتدأ قال : « والتقدير : فجزاء ذلك الفعل مثل ما قتل » . قلت : ويؤيد هذا الوجه قراءة عبد اللّه : « فجزاؤه مثل » ، إلا أن الأحسن أن يقدّر ذلك المحذوف ضميرا يعود على المقتول لا أن يقدّره : « فجزاء ذلك الفعل » و « مِثْلُ » بمعنى مماثل قاله جماعة : الزمخشري وغيره ، وهو معنى اللفظ ، فإنّها في قوة اسم فاعل ، إلّا أنّ مكّيّا توهّم أنّ « مثلا » قد يكون بمعنى غير مماثل فإنه قال : « ومثل » في هذه القراءة - يعني قراءة الكوفيين - بمعنى مماثل ، والتقدير : فجزاء مماثل لما قتل يعني في القيمة أو في الخلقة على اختلاف العلماء ، ولو قدّرت مثلا على لفظه لصار المعنى : فعليه جزاء مثل المقتول من الصيد ، وإنما يلزمه جزاء المقتول بعينه لا جزاء مثله ، لأنه إذا ودى جزاء مثل المقتول صار إنما ودى جزاء ما لم يقتل ؛ لأنّ مثل المقتول لم يقتله ، فصحّ أن المعنى : فعليه جزاء مماثل للمقتول ، ولذلك بعدت القراءة بالإضافة عند جماعة . قلت : « مثل » بمعنى مماثل أبدا فكيف يقول « ولو قدّرت مثلا على لفظه » ؟ وأيضا فقوله : « لصار المعنى إلى آخره » هذا الإشكال الذي ذكره لا يتصوّر مجيئه في هذه القراءة أصلا ، وإنما ذكره الناس في قراءة الإضافة كما سيأتي ، وكأنه نقل هذا الإشكال من قراءة الإضافة إلى قراءة التنوين . وأمّا قراءة باقي السبعة فاستبعدها جماعة ، قال الواحدي : « ولا ينبغي إضافة الجزاء إلى المثل لأنّ عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله فإنه لا جزاء عليه لمّا لم يقتله » وقال مكي بعد ما قدّمته عنه : « ولذلك بعدت القراءة بالإضافة عند جماعة لأنها توجب جزاء مثل الصيد المقتول » . قلت : ولا التفات إلى هذا الاستبعاد فإنّ أكثر القراء عليها . وقد أجاب الناسخ عن ذلك بأجوبة سديدة ، لمّا خفيت على أولئك طعنوا في المتواتر ، منها : أنّ « جزاء » مصدر مضاف لمفعوله تخفيفا ، والأصل : فعليه جزاء مثل ما قتل ، أي : أن يجزي مثل ما قتل ، ثم أضيف ، كما تقول : « عجبت من ضرب زيدا » ثم « من ضرب زيد » ذكر ذلك الزمخشري وغيره ، وبسط ذلك أنّ الجزاء هنا بمعنى القضاء والأصل : فعليه أن يجزى المقتول من الصيد مثله من النعم ، ثم حذف المفعول الأول لدلالة الكلام عليه وأضيف المصدر إلى ثانيهما ، كقولك : « زيد فقير ويعجبني إعطاؤك الدرهم » أي : إعطاؤك إياه . ومنها : أنّ « مثل » مقحمة كقولهم : « مثلك لا يفعل ذلك » أي : أنت لا تفعل ذلك ، ونحو قوله تعالى : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ « 2 » أي : بما آمنتم به وكقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 3 » ف « مثل » زائدة ، وهذا خلاف الأصل ، فالجواب ما قدّمته . و « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية أو نكرة موصوفة ، والعائد محذوف على كلا التقديرين أي : مثل ما قتله من النعم . فمن رفع « جزاء » ففيه أربعة أوجه :
--> ( 1 ) محمد بن مقاتل بن حكيم العكي كان رضيع هارون الرشيد توفي بعد سنة ( 184 ) ه . انظر الأعلام ( 7 / 107 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 137 ) . ( 3 ) سورة الشورى ، الآية ( 11 ) .