أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
599
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والرابع : أنه يدل على تأكيد العزم بالالتزام . الخامس : أنه عوض من الألف في القراءة الأخرى ، ولا أدري ما معناه ، ولا يجوز أن يكون لتكرير اليمين فإنّ الكفارة تجب ولو بمرة واحدة . وقد تجرّأ أبو عبيد على هذه القراءة وزيّفها فقال : « التشديد للتكرير « مرة » من بعد مرة ، ولست آمن أن توجب هذه القراءة سقوط الكفارة في اليمين الواحدة لأنها لم تكرّر » . وقد وهّموه الناس في ذلك ، وذكروا تلك المعاني المتقدمة ، فسلمت القراءة تلاوة ومعنى وللّه الحمد . وأما « عاقدت » فيحتمل أن تكون بمعنى المجرد نحو : « جاوزت الشيء وجزته » . وقال الفارسي : « عاقدتم » يحتمل أمرين . أحدهما : أن يكون بمعنى فعل ، كطارقت النّعل وعاقبت اللص . والآخر : أن يراد به فاعلت التي تقتضي فاعلين ، كأن المعنى : بما عاقدتم عليه الأيمان ، عدّاه ب « على » لمّا كان بمعنى عاهد ، قال : بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ « 1 » كما عدّى : نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ « 2 » ب « إلى » ، وبابها أن تقول : ناديت زيدا نحو : وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ « 3 » لمّا كانت بمعنى دعوت إلى كذا ، قال : مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ « 4 » ثم اتّسع فحذف الجارّ ونقل الفعل إلى المفعول ، ثم حذف الضمير العائد من الصلة إلى الموصول إذ صار : « بما عاقدتموه الأيمان » كما حذف من قوله : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ « 5 » قلت : يريد - رحمه اللّه - أن يبيّن معنى المفاعلة فأتى بهذه النظائر للتضمين ولحذف العائد على التدريج ، والمعنى : بما عاقدتم عليه الأيمان وعاقدتكم الأيمان عليه ، فنسب المعاقدة إلى الأيمان مجازا . ولقائل أن يقول : قد لا نحتاج إلى عائد حتى نحتاج إلى هذا التكلّف الكثير ، وذلك بأن نجعل « ما » مصدرية والمفعول محذوف تقديره : بما عاقدتم غيركم الأيمان ، أي : بمعاقدتكم غيركم الأيمان ، ونخلص من مجاز آخر وهو نسبة المعاقدة إلى الأيمان ، فإنّ في هذا الوجه نسبة المعاقدة للغير وهي نسبة حقيقية ، وقد نصّ علي ذلك - أعني هذا الوجه - جماعة . وقد تعقّب الشيخ على أبي علي كلامه فقال « 6 » : « قوله : إنه مثل « طارقت النعل » و « عاقبت اللص » ليس مثله ، لأنك لا تقول : طرقت ولا عقبت ، وتقول : عاقدت اليمين وعقدتها » . وهذا غير لازم لأبي علي لأنّ مراده أنه مثله من حيث إنّ المفاعلة بمعنى أن المشاركة من اثنين منتفية عنه كانتفائها من عاقبت وطارقت ، أمّا كونه يقال فيه أيضا كذا فلا يضرّه ذلك في التشبيه . وقال أيضا : « تقديره حذف حرف الجر ثم الضمير على التدريج بعيد ، وليس بنظير : « فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ » لأن « أمر » يتعدّى بنفسه تارة وبحرف الجر أخرى ، وإن كان الأصل الحرف ، وأيضا ف « ما » في « فَاصْدَعْ بِما » لا يتعيّن أن تكون بمعنى الذي ، بل الظاهر أنها مصدرية ، وكذلك ههنا الأحسن أن تكون مصدرية
--> ( 1 ) سورة الفتح ، الآية ( 10 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية ( 58 ) . ( 3 ) سورة مريم ، الآية ( 52 ) . ( 4 ) سورة فصلت ، الآية ( 33 ) . ( 5 ) سورة الحجر ، الآية ( 94 ) . ( 6 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 9 ) .