أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
600
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
لمقابلتها بالمصدر وهو اللغو » . وقد تقدّم في سورة النساء قوله تعالى : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ « 1 » و « عاقدت » ، وذكرت لك ما فيهما فصار في هذه ثلاث قراءات في المشهور ، وفي تيك قراءتان ، وكنت قد ذكرت أنه روي عن حمزة في سورة النساء : « عقّدت » بالتشديد ، فيكون فيها أيضاف ثلاث قراءات ، إلا أنه اتفاق غريب فإنّ حمزة من أصحاب التخفيف في هذه السورة ، وقد روي عنه التثقيل في النساء . قوله تعالى : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ مبتدأ وخبر ، والضمير في « فَكَفَّارَتُهُ » فيه أربعة أوجه : أحدها : أنه يعود على الحنث الدال عليه سياق الكلام ، وإن لم يجر له ذكر ، أي : فكفّارة الحنث . الثاني : أنه يعود على « ما » إن جعلناها موصولة اسمية ، وهو على حذف مضاف أي : فكفارة نكثه ، كذا قدّره الزمخشري . والثالث : أنه يعود على العقد لتقدّم الفعل الدالّ عليه . الرابع : أن يعود على اليمين ، وإن كانت مؤنثة لأنها بمعنى الحلف ، قالهما أبو البقاء ، وليسا بظاهرين . و « إِطْعامُ » مصدر مضاف لمفعوله وهو مقدّر بحرف وفعل مبني للفاعل أي : فكفارته أن يطعم الحانث عشرة ، وفاعل المصدر يحذف كثيرا ، ولا ضرورة تدعو إلى تقديره بفعل مبني للمفعول أي : أن يطعم عشرة ، لأنّ في ذلك خلافا تقدّم التنبيه عليه ، فعلى الأول يكون محلّ « عَشَرَةِ » نصبا ، وعلى الثاني يكون محلّها رفعا على ما لم يسمّ فاعله ، ولذلك فائدة تظهر في التابع ، فإذا قلت : « يعجبني أكل الخبز » فإن قدرته مبنيا للفاعل فتتبع « الخبز » بالجرّ على اللفظ والنصب على المحلّ ، وإن قدّرته مبنيا للمفعول أتبعته جرا ورفعا ، فتقول : يعجبني أكل الخبز والسمن والسمن والسمن ، وفي الحديث : « نهى عن قتل الأبتر وذو الطّفيتين » « 2 » برفع « ذو » على معنى : أن يقتل الأبتر . قال أبو البقاء : « والجيد أن يقدّر - أي المصدر - بفعل قد سمّي فاعله ، لأنّ ما قبله وما بعده خطاب » . قلت : فهذه قرينة تقوّي ذلك ، لأنّ المعنى : فكفّارته أن تطعموا أنتم أيها الحالفون ، وقد قدّمت لك أنّ تقديره بالمبني للفاعل هو الراجح ، ولو لم توجد قرينة لأنه الأصل . قوله : مِنْ أَوْسَطِ فيه وجهان : أحدهما : أنه في محلّ رفع خبرا لمبتدأ محذوف يبيّنه ما قبله تقديره : طعامهم من أوسط ، ويكون الكلام قد تمّ عند قوله : « مَساكِينَ » ، وسيأتي إيضاح هذا بزيادة قريبا إن شاء اللّه تعالى . والثاني : أنه في موضع نصب لأنه صفة للمفعول الثاني ، والتقدير : قوتا أو طعاما كائنا من أوسط ، وأما
--> ( 1 ) انظر تفسير سورة النساء ، الآية ( 33 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري كتاب بدء الخلق ( 3297 ) ، ومسلم ( 1 / 1752 ) ، كتاب السّلام ( 127 / 2232 ) .