أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
598
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقرأ الحسن : فَآتاهُمُ : من آتاه كذا أي : أعطاه ، والقراءة الشهيرة أولى ؛ لأنّ الإثابة فيها منبهة على أنّ ذلك لأجل عمل ، بخلاف الإيتاء ، فإنه يكون على عمل وعلى غيره . وقوله : « جَنَّاتٍ » مفعول ثان ل « أثابهم » ، أو « آتاهم » على حسب القراءتين . و « تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ » في محلّ نصب صفة ل « جَنَّاتٍ » . و « خالِدِينَ » حال ، وقوله : « وَذلِكَ جَزاءُ » مبتدأ وخبر ، وأشير ب « ذلِكَ » إلى الثواب أو الإيتاء . و « الْمُحْسِنِينَ » يحتمل أن يكون من باب إقامة الظاهر مقام المضمر ، والأصل : « وذلك جزاؤهم » ، وإنما ذكر وصفهم الشريف منبهة على أن هذه الخصلة محصّلة جزائهم بالخير ، ويحتمل أن يراد كلّ محسن ، فيندرجون اندراجا أوليا . قوله تعالى : حَلالًا : فيه ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه مفعول به أي : كلوا شيئا حلالا ، وعلى هذا الوجه ففي الجارّ وهو قوله : « مِمَّا رَزَقَكُمُ » وجهان : أحدهما : أنه حال من « حَلالًا » لأنه في الأصل صفة لنكرة ، فلمّا قدّم عليها انتصب حالا . والثاني : أنّ « من » لابتداء الغاية في الأكل أي : ابتدئوا أكلكم الحلال من الذي رزقه اللّه لكم . الوجه الثاني : من الأوجه المتقدمة أنه حال من الموصول أو من عائده المحذوف أي : « رزقكموه » فالعامل فيه « رَزَقَكُمُ » . الثالث : أنه نعت لمصدر محذوف أي : أكلا حلالا وفيه تجوّز . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 89 ] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 89 ) وقوله تعالى : لا يُؤاخِذُكُمُ : إلى آخره ، تقدم إعراب ذلك في سورة البقرة « 1 » واشتقاق المفردات . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم : « عقدتم » بتخفيف القاف دون ألف بعد العين ، وابن ذكوان عن ابن عامر : « عاقدتم » بزنة فاعلتم ، والباقون : « عَقَّدْتُمُ » بتشديد القاف . فأمّا التخفيف فهو الأصل ، وأمّا التشديد فيحتمل أوجها : أحدها : أن للتكثير لأنّ المخاطب به جماعة . والثاني : أنه بمعنى المجرد فيوافق القراءة الأولى ، ونحوه : قدّر وقدر . والثالث : أنه يدلّ على توكيد اليمين نحو : « واللّه الذي لا إله إلا هو » .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 225 ) .