أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
594
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
نصه لتعرفه ، قال رحمه اللّه تعالى : « تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ كقولك : « تفيض دمعا » وهو أبلغ من قولك : يفيض دمعها ، لأنّ العين جعلت كأنها دمع فائض ، و « مِنَ » للبيان ، كقولك : « أفديك من رجل » . ومحلّ الجارّ والمجرور النصب على التمييز » وفيه ما قد عرفته من المانعين ، وهو كونه معرفة ، وكونه جرّ ب « مِنَ » وهو فاعل في الأصل ، وسيأتي لهذا مزيد بيان ، فعلى هذا تكون هذه الآية كتلك عنده ، وهو الوجه الثالث . الرابع : أنّ « مِنَ » بمعنى الباء ، أي : تفيض بالدمع ، وكونها بمعنى الباء رأي ضعيف ، وجعلوا منه أيضا قوله تعالى : يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ « 1 » أي : بطرف ، كما أنّ الباء تأتي بمعنى من ، كقوله : 1812 - شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت * متى لجج خضر لهنّ نئيج « 2 » أي : من ماء البحر . قوله : مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ « مِنَ » الأولى لابتداء الغاية وهي متعلقة ب « تَفِيضُ » ، والثانية يحتمل أن تكون لبيان الجنس ، أي : بيّنت جنس الموصول قبلها ، ويحتمل أن تكون للتبعيض ، وقد أوضح أبو القاسم هذا غاية الإيضاح ، قال رحمه اللّه : « فإن قلت : أيّ فرق بين « مِنَ » و « مِنَ » في قوله : « مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ » ؟ قلت : الأولى لابتداء الغاية ، على أنّ الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق ، وكان من أجله وبسببه ، والثانية لبيان الموصول الذي هو « ما عرفوا » ، وتحتمل معنى التبعيض ، على أنهم عرفوا بعض الحقّ فأبكاهم وبلغ منهم ، فكيف إذا عرفوه كلّه وقرؤوا القرآن وأحاطوا بالسنة » إنتهى . ولم يتعرض لما يتعلّق به الجارّان ، وهو يمكن أن يؤخذ من قوة كلامه ، ولنزد ذلك إيضاحا ، و « من » الأولى متعلقة بمحذوف على أنها حال من « الدَّمْعِ » أي : في حال كونه ناشئا ومبتدئا من معرفة الحق ، وهو معنى قول الزمخشري ، على أنّ الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق ، ولا يجوز أن يتعلق ب « تَفِيضُ » لئلا يلزم تعلّق حرفين متّحدين لفظا ومعنى بعامل واحد ، فإنّ « مِنَ » في « مِنَ الدَّمْعِ » لابتداء الغاية كما تقدّم ، اللهم إلا أن يعتقد كون « مِنَ » في « مِنَ الدَّمْعِ » للبيان ، أو بمعنى الباء فقد يجوز ذلك ، وليس معناه في الوضوح كالأول . وأمّا « مِنَ الْحَقِّ » فعلى جعله أنها للبيان تتعلّق بمحذوف أي : أعني من كذا ، وعلى جعله أنها للتبعيض تتعلق ب « عَرَفُوا » ، وهو معنى قوله : « عرفوا بعض الحق » . وقال أبو البقاء في « مِنَ الْحَقِّ » إنه حال من العائد المحذوف » على الموصول ، أي : ممّا عرفوه كائنا من الحق ، ويجوز أن تكون « من » في قوله تعالى : « مِمَّا عَرَفُوا » تعليلية ، أي : إنّ فيض دمعهم بسبب عرفانهم الحقّ ، ويؤيّده قول الزمخشري : « وكان من أجله وبسببه » . فقد تحصل في « من » الأولى أربعة أوجه ، وفي الثالثة ضعف أو منع كما تقدم ، وفي « من » الثانية أربعة أيضا : وجهان بالنسبة إلى معناها : هل « من » ابتدائية أو تعليلية ؟ ووجهان بالنسبة إلى ما تتعلق به : هل هو « تَفِيضُ » أو محذوف على أنها حال من الدمع ، وفي الثالثة خمسة ، اثنان بالنسبة إلى معناها : هل هي بيانية أو تبعيضية ؟ وثلاثة بالنسبة إلى متعلّقها : هل هو محذوف وهو « أعني » أو نفس « عَرَفُوا » أو هو حال ، فتتعلق بمحذوف أيضا كما ذكره أبو البقاء . قوله : يَقُولُونَ فيه ثلاثة أوجه :
--> ( 1 ) تفسير سورة الشورى ، الآية ( 45 ) . ( 2 ) تقدم .