أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

595

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها : أنه مستأنف فلا محل له ، أخبر اللّه تعالى عنهم بهذه المقالة الحسنة . الثاني : أنها حال من الضمير المجرور في « أَعْيُنَهُمْ » ، وجاز مجيء الحال من المضاف إليه لأنّ المضاف جزؤه فهو كقوله تعالى : ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً « 1 » . الثالث : أنه حال من فاعل « عَرَفُوا » ، والعامل فيها « عَرَفُوا » . قال الشيخ « 2 » لمّا حكى كونه حالا : « كذا قاله ابن عطية وأبو البقاء ، ولم يبيّنا ذا الحال ولا العامل فيها » . قلت : أمّا أبو البقاء فقد بيّن ذا الحال فقال : « يَقُولُونَ » حال من ضمير الفاعل في « عَرَفُوا » فقد صرّح به ، ومتى عرف ذو الحال عرف العامل فيها ، لأنّ العامل في الحال هو العامل في صاحبها ، فالظاهر أنه اطّلع على نسخة مغلوطة من إعراب أبي البقاء سقط منها ما ذكرته لك ، ثم إنّ الشيخ ردّ كونها حالا من الضمير في « أَعْيُنَهُمْ » بما معناه أن الحال لا تجيء من المضاف إليه وإن كان المضاف جزأه ، وجعله خطأ ، وأحال بيانه على بعض مصنفاته ، وردّ كونها حالا أيضا من فاعل « عَرَفُوا » بأنه يلزم تقييد معرفتهم الحقّ بهذه الحال ، وهم قد عرفوا الحق في هذه الحال وفي غيرها ، قال : « فالأولى أن يكون مستأنفا » أمّا ما جعله خطأ فالكلام معه في هذه المسألة في موضوع غير هذا ، وأمّا قوله « يلزم التقييد » فالجواب أنه إنما ذكرت هذه الحال لأنها أشرف أحوالهم فخرجت مخرج المدح لهم . وقوله : رَبَّنا آمَنَّا في محل نصب بالقول ، وكذلك : فَاكْتُبْنا إلى قوله الصَّالِحِينَ . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 84 إلى 88 ] وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ( 84 ) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 85 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 86 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 87 ) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ( 88 ) قوله تعالى : وَما لَنا لا نُؤْمِنُ : « ما » استفهامية في محل رفع بالابتداء ، و « لَنا » جارّ ومجرور خبره ، تقديره : أيّ شيء استقر لنا ، و « لا نُؤْمِنُ » جملة حالية . وقد تقدّم نظير هذه الآية والكلام عليها ، وأنّ بعضهم قال : إنها لازمة لا يتمّ المعنى إلا بها نحو : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ « 3 » ، وتقدّم ما قلته فيه فأغنى ذلك عن إعادته . وقال الشيخ « 4 » هنا : « وهي المقصود وفي ذكرها فائدة الكلام ، وذلك كما تقول : « جاء زيد راكبا » لمن قال : هل جاء زيد ماشيا أو راكبا ؟ » . . قوله : وَما جاءَنا في محلّ « ما » وجهان : أحدهما : أنه مجرور نسقا على الجلالة أي : باللّه وبما جاءنا ، وعلى هذا فقوله : « مِنَ الْحَقِّ » فيه احتمالان :

--> ( 1 ) تفسير سورة الحجر ، الآية ( 47 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 6 ) . ( 3 ) تفسير سورة المدثر ، الآية ( 49 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 7 ) .