أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
593
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أظهرهما : أنّ محلّها الرفع نسقا على خبر « أَنَّهُمْ » الثانية ، وهو « لا يَسْتَكْبِرُونَ » أي : ذلك بأنّ منهم كذا وأنهم غير مستكبرين وأنهم إذا سمعوا ، فالواو عطفت مفردا على مثله . والثاني : أنّ الجملة استئنافية أي : أنه تعالى أخبر عنهم بذلك . والضمير في « سَمِعُوا » ظاهره أن يعود النصارى المتقدّمين لعمومهم ، وقيل : إنما يعود لبعضهم وهم من جاء من الحبشة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . قال ابن عطية : لأنّ كلّ النصارى ليسوا كذلك » . و « ما » في « ما أُنْزِلَ » تحتمل الموصولة والنكرة الموصوفة ، و « تَرى » بصرية ، فيكون قوله « تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ » جملة في محلّ نصب على الحال . وقرىء « 1 » شاذا : « ترى » بالبناء للمفعول ، « أَعْيُنَهُمْ » رفعا ، وأسند الفيض إلى الأعين مبالغة ، وإن كان الفائض إنما هو دمعها لا هي ، كقول امرئ القيس : 1810 - ففاضت دموع العين منّي صبابة * على النّحر حتّى بلّ دمعي محملي « 2 » والمراد المبالغة في وصفهم بالبكاء ، أو يكون المعنى أنّ أعينهم تمتلئ حتى تفيض ، لأنّ الفيض ناشىء عن الامتلاء كقوله : 1811 - قوارص تأتيني وتحتقرونها * وقد يملأ الماء الإناء فيفعم « 3 » وإلى هذين المعنيين نحا أبو القاسم ، فإنه قال : « فإن قلت : ما معنى « تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ » ؟ قلت : معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض ، لأنّ الفيض أن يمتلئ الإناء حتى يطلع ما فيه من جوانبه ، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء ، وهو من إقامة المسبب مقام السبب ، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء ، فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها ، أي : تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك : « دمعت عينه دمعا » . و « مِنَ الدَّمْعِ » فيه أربعة أوجه . أحدهما : أنه متعلّق ب « تَفِيضُ » ، ويكون معنى « مِنَ » ابتداء الغاية ، والمعنى : تفيض من كثرة الدمع . والثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من الفاعل في « تَفِيضُ » قالهما أبو البقاء ، وقدّر الحال بقولك : « مملوءة من الدمع » وفيه نظر ، لأنه كون مقيد ، ولا يجوز ذلك ، فبقي أن يقدّر كونا مطلقا أي : تفيض كائنة من الدمع ، وليس المعنى على ذلك ، فالقول بالحالية لا ينبغي . فإن قيل : هل يجوز عند الكوفيين أن يكون « مِنَ الدَّمْعِ » تمييزا ، لأنهم لا يشترطون تنكير التمييز ، والأصل : تفيض دمعا ، كقولك : « تفقّأ زيد شحما » ، فهو من المنتصب عن تمام الكلام ؟ فالجواب أن ذلك لا يجوز ، لأنّ التمييز إذا كان منقولا من الفاعلية امتنع دخول « من » عليه ، وإن كانت مقدرة معه ، فلا يجوز : « تفقّأ زيد من شحم » ، وهذا - كما رأيت - مجرور ب « من » ، فامتنع أن يكون تمييزا ، إلا أن أبا القاسم في سورة براءة « 4 » جعله تمييزا في قوله تعالى : « تولّوا وأعينهم تفيض من الدمع » ، ولا بد من نقل
--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 6 ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 9 ) ، شرح القصائد للتبريزي ( 85 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 657 ) ابن يعيش ( 1 / 21 ) ، الكامل ( 18 ) ، - - اللسان ( قرص ) ، البحر ( 4 / 5 ) . ( 4 ) انظر تفسير الآية ( 92 ) .