أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
59
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أجازه أبو البقاء أن يكون في موضع نصب صفة لأولياء ، فعلى هذا يتعلّقبمحذوف قوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أدغم الكسائي في رواية الليث عنه اللام في الذال هنا ، وفي مواضع أخر تقدّم التنبيه عليها وعلى علتها في سورة البقرة . قوله : مِنَ اللَّهِ أنّه في محلّ نصب على الحال من « شَيْءٍ » لأنه لو تأخّر لكان صفة له . و « فِي شَيْءٍ » هو خبر ليس ، لأن به تستقلّ فائدة الإسناد ، والتقدير : فليس في شيء كائن من اللّه ، ولا بد من حذف مضاف أي : فليس من ولاية اللّه ، وقيل : من دين اللّه . ونظّر بعضهم الآية الكريمة ببيت النابغة : 1227 - إذا حاولت في أسد فجورا * فإنّي لست منك ولست منّي « 1 » قال الشيخ : « وهذا التنظير ليس بجيد ، لأنّ « منك » و « مني » خبر « ليس » ، تستقل به الفائدة ، وفي الآية : الخبر قوله « فِي شَيْءٍ » فليس البيت كالآية » . وقد نحا ابن عطية هذا المنحى الذي ذكرته عن بعضهم فقال : « فليس من اللّه في شيء مرضيّ على الكمال والصواب ، وهذا كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من غشّنا فليس منا » « 2 » وفي الكلام حذف مضاف تقديره : فليس من التقرّب إلى اللّه والثواب ونحو هذا ، وقوله : « فِي شَيْءٍ » هو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في قوله : « ليس من اللّه » . قال الشيخ « 3 » : « وهو كلام مضطرب ، لأنّ تقديره : فليس من التقرب إلى اللّه يقتضي ألّا يكون « مِنَ اللَّهِ » خبرا لليس ، إذ لا يستقلّ ، وقوله : « فِي شَيْءٍ » هو في موضع نصب على الحال يقتضي ألّا يكون خبرا ، فتبقى « ليس » على قوله ليس لها خبر ، وذلك لا يجوز ، وتشبيهه الآية الكريمة بقوله عليه السّلام : « من غشّنا فليس منا » ليس بجيد ؛ لما بيّنّا من الفرق بين بيت النابغة وبين الآية الكريمة » . قلت : قد يجاب عن قوله : « إنّ « مِنَ اللَّهِ » لا يكون خبرا لعدم الاستقلال » بأنّ في الكلام حذف مضاف ، تقديره : فليس من أولياء اللّه ، أوليس ، لأنّ اتخاذ الكفار أولياء ينافي ولاية اللّه تعالى ، وكذا قول ابن عطية : فليس من التقرب أي : من أهل التقرب ، وحينئذ يكون التنظير بين الآية والحديث وبيت النابغة مستقيما بالنسبة إلى ما ذكر ، ونظير تقدير المضاف هنا قوله تعالى : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي « 4 » أي : من أشياعي وأتباعي ، وكذا قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي « 5 » ، وقول العرب : « أنت مني فرسخين » أي : من أشياعي ، ما سرنا فرسخين . ويجوز أن يكون « مِنَ اللَّهِ » هو خبر ليس ، و « فِي شَيْءٍ » يكون حالا من الضمير في « ليس » كما ذهب إليه ابن عطية تصريحا ، وغيره إيماء ، وقد تقدّم اعتراض الشيخ عليهما وجوابه . قوله : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا هذا استثناء مفرغ من المفعول « من أجله ، والعامل فيه : لا يتّخذ أي » . لا يتّخذ المؤمن الكافر وليّا لشيء من الأشياء إلا للتّقيّة ظاهرا ، أي يكون مواليه في الظاهر ومعاديه في الباطن ، وعلى هذا فقوله : « وَمَنْ
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) أخرجه مسلم 1 / 99 ، كتاب الايمان ( 164 - 101 ) ، وأخرجه في المسند 3 / 498 ، والبيهقي في السنن 5 / 255 ، والدارمي 2 / 248 ، والحاكم في المستدرك 2 / 9 ، والطبراني في الكبير 10 / 169 ، وابن حبان ( 1107 ) ، والخطيب في التاريخ 3 / 178 ، وأبو نعيم في الحلية 4 / 189 . ( 3 ) انظر البحر المحيط 2 / 423 . ( 4 ) سورة إبراهيم ، آية ( 5 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 6 ) .