أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

60

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يَفْعَلْ ذلِكَ » وجوابه معترض بين العلة ومعلولها . وفي قوله : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا التفات من غيبة إلى خطاب ، ولو جرى على سنن الكلام الأول لجاء بالكلام غيبة ، وأبدوا للالتفات هنا معنى حسنا : وذلك أن موالاة الكفار لمّا كانت مستقبحة لم يواجه اللّه عباده بخطاب النهي ، بل جاء به في كلام أسند الفعل المنهيّ عنه لغيب ، ولمّا كانت المجاملة في الظاهر والمحاسنة جائزة لعذر وهو اتّقاء شرّهم حسن الإقبال إليهم وخطابهم برفع الحرج عنهم في ذلك . قوله : تُقاةً في نصبها ثلاثة أوجه وذلك مبنيّ على تفسير « تُقاةً » ما هي ؟ أحدها : أنها منصوبة على المصدر والتقدير : تتّقوا منهم اتقاء ، فتقاة واقعة موقع الاتقاء ، والعرب تأتي بالمصادر نائبة عن بعضها ، والأصل : أن تتقوا اتقاء ، نحو : تقتدروا اقتدارا ، ولكنهم أتوا بالمصدر على حذف الزوائد كقوله : أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً « 1 » والأصل : إنبات ، ومثله : 1228 - . . . * وبعد عطائك المئة الرّتاعا « 2 » أي : إعطائك ، ومن ذلك أيضا قوله : 1229 - . . . * وليس بأن تتبعه اتّباعا « 3 » قول الآخر : 1230 - ولاح بجانب الجبلين منه * ركام يحفر الأرض احتفارا « 4 » وهكذا عكس الآية ، إذ جاء بالمصدر مزادا فيه ، والفعل الناصب له مجرّد من تلك الزوائد . ومن مجيء المصدر على غير المصدر قوله تعالى : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا « 5 » ، والأصل : تبتّلا ، ومثله : 1231 - وقد تطوّيت انطواء الخصب « 6 » والأصل : تطوّيا ، وأصل تقاة : « وقية » مصدر على فعل من الوقاية ، وقد تقدّم تفسير هذه المادة في أول هذا الموضوع ، ثم أبدلت الواو تاء ، ومثلها تخمة وتكاة وتجاه ، وتحرّكت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ، فصار اللفظ

--> ( 1 ) سورة نوح ، آية ( 17 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) البيت للقطامي انظر ديوانه ( 40 ) ، الكتاب 4 / 82 ، ابن يعيش 1 / 111 ، الخصائص 2 / 309 ، امالي الشجري 2 / 141 ، الخزانة 1 / 392 . وهو عجز بيت صدره : وخير الأمر ما استقبلت منه * . . . والمعنى أن خير الأمر ما استقبلت وتدبرت أوله فعرفت إلام تئول عاقبته وشره ما ترك النظر في أوله وتتبعت أواخره . ( 4 ) انظر البيت في البحر المحيط 2 / 424 . ( 5 ) سورة المزمل ، آية ( 8 ) . ( 6 ) البيت لرؤبة انظر ديوانه ( 16 ) ، الكتاب 4 / 82 ، المخصص 8 / 110 ، ابن يعيش 1 / 112 ، الهمع 1 / 187 ، ابن الشجري 2 / 141 ، الخصب بالكسر : الذكر الضخم من الحيات ، أو حية دقيقة . وبعده : بين قتاد ردهة وشقب * بعد مديد الجسم مصلهب والشاهد فيه أن يكون الانطواء مصدرا لتطوى ؛ لأن المعنى واحد .