أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

584

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الْأَوْثانِ « 1 » قلت : فعلى هذا يتعلق « مِنْهُمْ » بمحذوف ، فإن قلت : هو على جعله حالا متعلق أيضا بمحذوف . قلت : الفرق بينهما أنّ جعله حالا يتعلّق بمحذوف ، ذلك المحذوف هو الحال في الحقيقة ، وعلى هذا الوجه يتعلّق بفعل مفسّر للموصول الأول ، كأنه قيل : أعني منهم ، ولا محلّ ل « أعني » لأنها جملة تفسيرية . وقال الشيخ « 2 » . « ومن » في « مِنْهُمْ » للتبعيض أي : كائنا منهم ، والربط حاصل بالضمير ، فكأنه قيل : كافرهم ، وليسوا كلّهم بقوا على الكفر » انتهى . يعني : هذا تقدير لكونها تبعيضية وهو معنى كونها في محلّ نصب على الحال . وقوله تعالى : أَ فَلا يَتُوبُونَ : تقدّم نظيره مرارا وأنّ فيه رأيين : رأي الجمهور تقديم حرف العطف على الهمزة تقديرا ، ورأي أبي القاسم بقاؤه على حاله وحذف جملة معطوف هذا عليها ، والتقدير : أيثبتون على كفرهم فلا يتوبون ، والاستفهام فيه قولان : أظهرهما : أنه للتعجيب من حالهم : كيف لا يتوبون ويستغفرون من هذه المقالة الشنعاء ؟ . والثاني : أنه بمعنى الأمر وهو رأي ابن زياد الفراء كأنه قال : توبوا واستغفروا من هاتين المقالتين ، كقوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ « 3 » . وكلام ابن عطية يفهم أنه للتحضيض ، قال : « رفق جلّ وعلا بهم بتحضيضه إياهم على التوبة وطلب المغفرة » يعني بذلك من حيث المعنى ، وإلّا ففهم التحضيض من هذا اللفظ غير مسلّم ، وكيف يعقل أنّ حرف العطف فصل بين الهمزة ولا المفهمة للتحضيض ؟ فإن قلت : هذا إنما يشكل على قولنا : إنّ « ألا » التحضيضية بسيطة غير مركبة ، فلا يدّعى فيها الفصل بحرف العطف ، أما إذا قلنا إنها همزة الاستفهام دخلت على « لا » النافية وصار معناهما التحضيض فلا يضرّ الفصل بحرف العطف ، لأنه عهد في « لا » النافية الداخل عليها همزة الاستفهام . فالجواب : أنه لا يجوز مطلقا ؛ لأنّ ذلك المعنى قد انسلخ وحدث معنى آخر وهو التحضيض ، فلا يلزم من الجواز في الأصل الجواز بعد حدوث معنى جديد . تعالى : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ : كقوله : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ « 4 » . و « قَدْ خَلَتْ » صفة له كما في الآية الأخرى . وتقدّم معنى الحصر . وقوله : وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ابتداء وخبر ، ولا محلّ لهذه الجملة من الإعراب . و « صِدِّيقَةٌ » تأنيث « صدّيق » وهو بناء مبالغة ك « فعّال » و « فعول » إلا أنه لا يعمل عمل أمثلة المبالغة ، فلا يقال : « زيد شرّيب العسل » كما يقال : « شرّاب العسل » وإن كان القياس إعماله ، وهل هو من « صدق » الثلاثي أو من « صدّق » مضعفا ؟ القياس يقتضي الأول ، لأنّ أمثلة المبالغة تطّرد من الثلاثي دون الرباعي ، فإنه لم يجئ منه إلا القليل . وقال الزمخشري : « إنه من التصديق » وكذا ابن عطية ، إلا أنّه جعله محتملا ، وهذا واضح لقوله : « وصدّقت بكلمات ربها » فقد صرّح بالفعل المسند إليها مضعفا . وقوله : كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ لا محلّ له لأنه استئناف وبيان لكونهما كسائر البشر في احتياجهما إلى ما يحتاج إليه كلّ جسم مولد ، والإله الحقّ منزّه عن ذلك . وقال بعضهم : « هو كناية عن احتياجهما إلى التغوّط » ولا حاجة إليه . قوله : « كَيْفَ » منصوب بقوله : « نُبَيِّنُ » بعده ، وتقدم ما فيه في قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ « 5 » وغيره ، ولا يجوز

--> ( 1 ) سورة الحج ، الآية ( 30 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 536 ) . ( 3 ) سورة المائدة ، الآية ( 91 ) . ( 4 ) سورة آل عمران ، الآية ( 144 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية ( 28 ) .