أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

585

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أن يكون معمولا لما قبله لأن له صدر الكلام ، وهذه الجملة الاستفهامية في محلّ نصب لأنها معلقة للفعل قبلها . وقوله : ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ كالجملة قبلها ، و « أنّى » بمعنى كيف ، و « يُؤْفَكُونَ » ناصب ل « أَنَّى » ويؤفكون : بمعنى يصرفون . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 76 إلى 79 ] قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 76 ) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 77 ) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 ) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 79 ) قوله تعالى : ما لا يَمْلِكُ : يجوز أن تكون « ما » بمعنى الذي ، وأن تكون نكرة موصوفة ، والجملة بعدها صلة فلا محلّ لها ، أو صفة فمحلّها النصب ، وفي وقوع « ما » على العاقل هنا لأنه أريد به عيسى وأمّه وجوه ، أحدها : أنه أتي ب « ما » مرادا بها العاقل لأنها مبهمة تقع على كل شيء ، وكذا قاله سيبويه « 1 » ، أو أريد به النوع كقوله : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ « 2 » أي : النوع الطيب ، أو أريد به العاقل مع غيره لأنّ أكثر ما عبد من دون اللّه غير عاقل كالأصنام والأوثان والكواكب والشجر ، أو شبهه على أول أحواله ، لأنه في أول حاله لا يوصف بعقل فكيف يتّخذ إلها معبودا ؟ وفي تكرير الأمر بقوله : « انظر » « ثم انظر » دلالة على الاهتمام بالنظر ، وأيضا فقد اختلف متعلّق النظرين ، فإنّ الأول أمر بالنظر في كيفية إيضاح اللّه تعالى لهم الآيات وبيانها بحيث إنه لا شكّ فيها ولا ريب ، والأمر الثاني بالنظر في كونهم صرفوا عن تدبّرها والإيمان بها ، أو بكونهم قلبوا عمّا أريد بهم . قال الزمخشري : « فإن قلت : ما معنى التراخي في قوله : « ثم انظر » ؟ قلت : معناه ما بين التعجبين ، يعني أنه بيّن لهم الآيات بيانا عجبا ، وأنّ إعراضهم عنها أعجب منه » انتهى . يعني أنه من باب التراخي في الرّتب لا في الأزمنة ، ونحوه : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ « 3 » وسيأتي . : وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ « هُوَ » : يجوز أن يكون مبتدأ ثانيا ، و « السَّمِيعُ » خبره ، و « الْعَلِيمُ » خبر ثان أو صفة ، والجملة خبر الأول ، ويجوز أن يكون فصلا ، وقد عرف ما فيه ، ويجوز أن يكون بدلا . وهذه الجملة الظاهر فيها أنها لا محلّ لها من الإعراب ، ويحتمل أن تكون في محلّ نصب على الحال من فاعل « تَعْبُدُونَ » أي : أتعبدون غير اللّه والحال أن اللّه هو المستحقّ للعبادة لأنه يسمع كل شيء ويعلمه ، وإليه بنحو كلام الزمخشري فإنه قال : « وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » متعلق ب « أَ تَعْبُدُونَ » أي : أتشركون باللّه ولا تخشونه ، وهو الذي يسمع ما تقولون ويعلم ما تعتقدون ؟ أتعبدون العاجز واللّه هو السميع العليم ؟ » انتهى . والرابط بين الحال وصاحبها الواو ، ومجيء هاتين الصفتين بعد هذا الكلام في غاية المناسبة ، فإنّ السميع يسمع ما يشكى إليه من الضّرّ وطلب النفع ويعلم مواقعهما كيف يكونان ؟ .

--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 2 / 309 ) . ( 2 ) سورة النساء ، الآية ( 3 ) . ( 3 ) سورة الأنعام ، الآية ( 1 ) .