أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

58

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الصحيح فالمعتلّ أولى ألّا يوجد فيه . وأجاب البصريون عن قولهم بأنه لا نظير له في الصحيح بأنّ قضاة في جمع « قاض » لا نظير له في الصحيح . وتفسير هذا الجواب أنّا لا نسلّم أنّ المعتل يلزم أن يكون له نظير من الصحيح ، ويدل على عدم التلازم : « قضاة » جمع قاض ، وفي « قضاة » خلاف طويل ليس هذا موضع ذكره . واعترض البصريون عليهم بأنه لو كان وزنه فعيلا لوجب أن يصحّ كما صحّت نظائره من ذوات الواو نحو : طويل وعويل وقويم ، فحيث اعتلّ بالقلب والإدغام ، امتنع أن يدّعى أنّ أصله فعيل لمخالفة نظائره . وهو ردّ حسن . قوله : وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ يجوز أن تكون الباء للحال من الفاعل أي : ترزقه وأنت لم تحاسبه ، أي : لم تضيّق عليه ، أو من المفعول أي : غير مضيّق عليه . وقد تقدّم الكلام على مثل هذا مشبعا في البقرة عند قوله تعالى : وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ « 1 » فأغنى عن إعادته . واشتملت هذه الآية على أنواع من البديع ، منها : التجنيس المماثل في قوله : « مالِكَ الْمُلْكِ » « تُؤْتِي الْمُلْكَ ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ » ومنها : الطباق وهو الجمع بين متضادّين أو شبههما ، وذلك في قوله : « تُؤْتِي الْمُلْكَ وَتَنْزِعُ » وفي « تُعِزُّ وَتُذِلُّ » ، وفي قوله : « بِيَدِكَ الْخَيْرُ » أي : والشرّ عند بعضهم ، وفي قوله : « اللَّيْلَ و النَّهارِ » وفي قوله : « الْحَيَّ و الْمَيِّتِ » . ومنها : ردّ الأعجاز على الصدور ، والصدور على الأعجاز في قوله : « تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ » وفي قوله : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ونحوه : عادات السادات سادات العادات » . وتضمّنت من المعاني التوكيد : بإيقاع الظاهر موقع المضمر في قوله : « تُؤْتِي الْمُلْكَ إلخ » وفي تجوّزه بإيقاع الحرف مكان ما هو بمعناه ، والحذف لفهم المعنى . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 28 ] لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ( 28 ) قوله تعالى : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ : العامّة على قراءته نهيا ، وقرأ الضبي : « لا يَتَّخِذِ » برفع الدال نفيا بمعنى لا ينبغي ، أو هو خبر بمعنى النهي نحو : لا تُضَارَّ والِدَةٌ « 2 » و لا يُضَارَّ كاتِبٌ « 3 » فيمن رفع الراء . قال أبو البقاء وغيره : « وأجاز الكسائي رفع الراء على الخبر ، والمعنى : لا ينبغي » وهذا موافق لما قاله الفراء ، فإنه قال : « ولو رفع على الخبر كقراءة من قرأ : « لا تضارّ والدة جاز » . قال أبو إسحق : « ويكون المعنى على الرفع أنه من كان مؤمنا فلا ينبغي أن يتّخذ الكافر وليا » كأنهما لم يطّلعا على قراءة الضبّي ، أو لم تثبت عندهما . و « يَتَّخِذِ » يجوز أن تكون المتعدية لواحد فيكون « أَوْلِياءَ » حالا ، وأن تكون المتعدية لاثنين ، و « أَوْلِياءَ » هو الثاني . قوله : مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فيه وجهان : أظهرهما : أنّ « مِنْ » لابتداء الغاية ، وهي متعلقة بفعل الاتّخاذ . قال علي بن عيسى : « أي : لا تجعلوا ابتداء الولاية من مكان دون مكان المؤمنين » وقد تقدّم تحقيق هذا عند قوله تعالى : وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ « 4 » في البقرة .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 212 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 233 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 282 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 23 ) .