أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
57
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والولوج : الدخول ، والإيلاج : الإدخال ، ومعنى الآية على ذلك . وقول من قال معناه : النقص فإنما أراد أنه من باب اللازم ، لأنه تبارك وتعالى إذا أدخل من هذا في هذا فقد نقص من المأخوذ منه المدخل في ذلك الآخر ، وزعم بعضهم أن « تُولِجُ » بمعنى ترفع ، وأن « فِي » بمعنى « على » وليس بشيء . قوله : مِنَ الْمَيِّتِ اختلف القرّاء في هذه اللفظة على مراتب : فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم لفظ « الْمَيِّتِ » من غير تاء تأنيث مخففا في جميع القرآن ، وسواء وصف به الحيوان نحو : تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ أو الجماد نحو قوله : إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ « 1 » لِبَلَدٍ مَيِّتٍ « 2 » منكّرا أو معرّفا كما تقدّم ذكره ، إلا قوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ « 3 » ، وقوله : وَما هُوَ بِمَيِّتٍ « 4 » في إبراهيم ، مما لم يمت بعد فإن الكلّ ثقّلوه ، وكذلك لفظ « الميتة » في قوله : وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ « 5 » دون الميتة المذكورة مع الدم « 6 » فإنّ تيك لم يشددها إلا بعض قراء الشواذ ، وقد تقدّم ذكرها في البقرة ، وكذلك قوله : وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً « 7 » و بَلْدَةً مَيْتاً « 8 » و إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً « 9 » فإنها مخففات عند الجميع . وثقّل نافع جميع ذلك ، والأخوان وحفص عن عاصم وافقوا ابن كثير ومن معه في الأنعام في قوله : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ « 10 » وفي الحجرات : « أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً « 11 » ، و الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ في يس ، ووافقوا نافعا فيما عدا ذلك ، فجمعوا بين اللغتين إيذانا بأن كلّا من القراءتين صحيح ، وهما بمعنى ، لأنّ فيعل يجوز تخفيفه في المعتل بحذف إحدى يائيه فيقال : هين وهيّن ولين وليّن وميت وميّت ، ومنه قول الشاعر جمع بين اللغتين : 1226 - ليس من مات فاستراح بميت * إنّما الميت ميّت الأحياء « 12 » إنّما الميت من يعيش كئيبا * كاسفا باله قليل الرّجاء وزعم بعضهم أن « مَيْتاً » * بالتخفيف لمن وقع به الموت ، وأنّ المشدّد يستعمل فيمن مات ومن لم يمت كقوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ « 13 » وهذا مردود بما تقدّم من قراءة الأخوين وحفص ، حيث خفّفوا في موضع لا يمكن أن يراد به الموت وهو قوله : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً « 14 » إذ المراد به الكفر مجازا . هذا بالنسبة إلى القرّاء ، وإن شئت ضبطته باعتبار لفظ « الْمَيِّتِ » فقلت : هذا اللفظ بالنسبة إلى قراءة السبعة ثلاثة أقسام : قسم لا خلاف في تثقيله وهو ما لم يمت نحو وَما هُوَ بِمَيِّتٍ و إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ، وقسم لا خلاف في تخفيفه وهو ما تقدم في قوله : الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ * و إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً وقوله : وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً وقوله : فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وقسم فيه الخلاف وهو ما عدا ذلك ، وقد تقدّم تفصيله . وقد تقدّم أيضا أن أصل ميّت : ميوت فأدغم ، وأن في وزنه خلافا : هل وزنه فيعل وهو مذهب البصريين أو فعيل وهو مذهب الكوفيين ، وأصله : مويت ، قالوا : لأنّ فيعلا مفقود في
--> ( 1 ) سورة فاطر ، آية ( 9 ) . ( 2 ) سورة الأعراف ، آية ( 57 ) . ( 3 ) سورة الزمر ، آية ( 30 ) . ( 4 ) سورة إبراهيم ، آية ( 17 ) . ( 5 ) سورة يس ، آية ( 33 ) . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 173 ) . ( 7 ) سورة الأنعام ، آية ( 139 ) . ( 8 ) سورة الزخرف ، آية ( 11 ) . ( 9 ) سورة الأنعام ، آية ( 3 ) . ( 10 ) سورة الأنعام ، آية ( 122 ) . ( 11 ) سورة الحجرات ، آية ( 12 ) . ( 12 ) البيتان لعدي بن الرعلاء انظر المنصف 2 / 17 ، 3 / 62 ، أمالي الشجري 1 / 152 ، ابن يعيش 10 / 69 ، الأصمعيات 152 ، الأشموني 2 / 169 . ( 13 ) سورة الزمر ، آية ( 30 ) . ( 14 ) سورة الأنعام ، آية ( 122 ) .