أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
567
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدها : - وهو الظاهر - أنّ لا محلّ لها من الإعراب لأنها مستأنفة . والثاني : أنها في محلّ رفع لأنها خبر ثان ل « يَداهُ » . والثالث : أنها في محل نصب على الحال من الضمير المستكنّ في « مَبْسُوطَتانِ » ، وعلى هذين الوجهين فلا بدّ من ضمير مقدّر عائد على المبتدأ ، أو على ذي الحال أي : ينفق بهما ، وحذف مثل ذلك قليل . وقال أبو البقاء : « ينفق كيف يشاء » مستأنف ، ولا يجوز أن يكون حالا من الهاء - يعني في « يَداهُ » - لشيئين : أحدهما : أنّ الهاء مضاف إليها . والثاني : أنّ الخبر يفصل بينهما ، ولا يجوز أن تكون حالا من اليدين ، إذ ليس فيها ضمير يعود إليهما » . قلت : قوله : « أحدهما : أنّ الهاء مضاف إليها » ليس ذلك بمانع ؛ لأن الممنوع إنما هو مجيء الحال من المضاف إليه إذا لم يكن المضاف جزءا من المضاف إليه أو كجزئه أو عاملا فيه ، وهذا من النوع الأول فلا مانع فيه . وقوله : « والثاني : أن الخبر يفصل بينهما » هذا أيضا ليس بمانع ، ومنه : وَهذا بَعْلِي شَيْخاً « 1 » إذا قلنا إن « شيخا » حال من اسم الإشارة ، والعامل فيه التنبيه . وقوله : « إذ ليس فيها ضمير » قد تقدّم أن العائد يقدّر ، أي : ينفق بهما . الرابع : أنها حال من « يَداهُ » وفيه خلاف - أعني مجيء الحال من المبتدأ - ووجه المنع أنّ العامل في الحال هو العامل في صاحبها ، والعامل في صاحبها أمر معنوي لا لفظيّ وهو الابتداء ، وهذا على أحد الأقوال في العامل في الابتداء . الخامس : أنها حال من الهاء في « يَداهُ » ولا اعتبار بما منعه أبو البقاء لما تقدّم من تصحيح ذلك . و « كيف » في مثل هذا التركيب شرطية نحو : « كيف تكون أكون » ومفعول المشبه محذوف ، وكذلك جواب هذا الشرط أيضا محذوف مدلول عليه بالفعل السابق ل « كيف » ، والمعنى : ينفق كما يشاء أن ينفق ينفق ، ويبسط السماء كيف يشاء أن يبسطه يبسطه ، فحذف مفعول « يَشاءُ » وهو « أن » وما بعدها ، وقد تقدم أن مفعول « يَشاءُ » و « يريد » لا يذكران إلا لغرابتهما ، وحذف أيضا جواب « كيف » وهو « ينفق » المتأخر و « يبسط » المتأخر لدلالة « ينفق ويبسط » الأولين ، وهو نظير قولك : « أقوم إن يقم زيد » ، ولا جائز أن يكون « ينفق » المتقدم عاملا في « كيف » ، لأنّ لها صدر الكلام ، وماله صدر الكلام لا يعمل فيه إلا حرف الجر أو المضاف . وقال الحوفي : « كَيْفَ » سؤال عن حال ، وهي نصب ب « يَشاءُ » . قال الشيخ « 2 » : « ولا يعقل هنا كونها سؤالا عن حال » . قلت : وقد تقدم الكلام عليها مشبعا عند قوله : يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ « 3 » ، وذكرنا عبارة الناس فيها . قوله : ما أُنْزِلَ « ما » هنا موصولة اسمية في محل رفع ، لأنها فاعل بقوله : « لَيَزِيدَنَّ » ، ولا يجوز أن تكون « ما » مصدرية ، و « إِلَيْكَ » قائم مقام الفاعل ل « أُنْزِلَ » ، ويكون التقدير : « وليزيدنّ كثيرا الإنزال إليك » لأنه لم يعلم نفس المنزّل ، والذي يزيدهم إنما هو المنزّل لا نفس الإنزال . وقوله : « مِنْهُمْ » صفة ل « كَثِيراً » فيتعلّق بمحذوف
--> ( 1 ) سورة هود ، الآية ( 72 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 524 ) . ( 3 ) سورة آل عمران ، الآية ( 6 ) .