أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

568

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

و « طُغْياناً » مفعول ثان ل « يزيد » . وقوله : « إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ » متعلق ب « أَلْقَيْنا » ، ويجوز أن يتعلّق بقوله : « وَالْبَغْضاءَ » أي : إنّ التباغض بينهم إلى يوم القيامة ، ولا يجوز أن يتعلّق بالعداوة لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بالأجنبي وهو المعطوف ، وعلى هذا فلا يجوز أن تكون المسألة من التنازع ، لأن شرطه تسلّط كل من العاملين ، والعامل الأول هنا لو سلّط على المتنازع فيه لم يجز للمحذور المذكور . وقد نقل بعضهم أنه يجوز التنازع في فعلي التعجب مع التزام إعمال الثاني ؛ لأنه لا يفصل بين فعل التعجب ومعموله ، وهذا مثله ، أي : يلتزم إعمال العامل الثاني ، وهو خارج عن قياس التنازع ، وتقدّم لك نظيره . والفرق بين العداوة والبغضاء أن العداوة كل شيء مشتهر يكون عنه عمل وحرب ، والبغضاء لا تتجاوز النفوس ، قاله ابن عطية وقال الشيخ « 1 » : « العداوة أخصّ من البغضاء لأنّ كل عدو مبغض ، وقد يبغض من ليس بعدو » . قوله : لِلْحَرْبِ فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق ب « أَوْقَدُوا » أي : أوقدوها لأجل الحرب . والثاني : أنه صفة ل « ناراً » فيتعلق بمحذوف ، وهل الإيقاد حقيقة أو مجاز ؟ قولان . و « أَطْفَأَهَا اللَّهُ » جواب « كُلَّما » ، وهو أيضا حقيقة أو مجاز على حسب ما تقدم . وقوله : « فَساداً » قد تقدم نظيره « 2 » ، وأنه يجوز أن يكون مصدرا من المعنى ، وحينئذ لك اعتباران : أحدهما : ردّ الفعل لمعنى المصدر . والثاني : ردّ المصدر لمعنى الفعل ، وأن يكون حالا أي : يسعون سعي فساد ، أو : يفسدون بسعيهم فسادا ، أو : يسعون مفسدين ، وأن يكون مفعولا من أجله أي : يسعون لأجل الفساد . والضمير في « بَيْنَهُمُ » يجوز أن يعود على اليهود وحدهم لأنهم فرق مختلفة وطوائف متشعبة ، وأن يعود على اليهود والنصارى لتقدّم ذكرهم في قوله تعالى : « لا تتخذوا اليهود والنصارى » « 3 » ، ولاندراج الصنفين في قوله : يا أَهْلَ الْكِتابِ « 4 » ، والألف واللام في « الْأَرْضِ » يجوز أن تكون للجنس وأن تكون للعهد . وقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ : تقدّم الكلام على نظير هذا التركيب « 5 » . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 66 إلى 68 ] وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ( 66 ) يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 67 ) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 68 )

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 525 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية ( 33 ) . ( 3 ) سورة المائدة ، الآية ( 51 ) . ( 4 ) سورة المائدة ، الآية ( 59 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية ( 103 ) .