أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
558
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
و « جَعَلَ » هنا بمعنى « صيّر » فيكون « مِنْهُمُ » في محل نصب مفعولا ثانيا ، قدّم على الأول فيتعلق بمحذوف أي : صيّر القردة والخنازير كائنين منهم ، وجعلها الفارسي في كتاب « الحجة » له بمعنى خلق . قال ابن عطية : « وهذه منه - رحمه اللّه - نزعة اعتزالية لأن قوله : « وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ » تقديره ومن عبد الطاغوت » ، والمعتزلة لا ترى أن اللّه تعالى يصيّر أحدا عابد طاغوت » . انتهى . والذي يفرّ منه في التصيير هو بعينه موجود في الخلق ، وللبحث فيه موضع غير هذا تعرضت له في التفسير الكبير . وجعل الشيخ « 1 » قوله تعالى « مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ » إلى آخره من وضع الظاهر موضع المضمر تنبيها على الوصف الذي به حصل كونهم شرا مثوبة ، كأنه قيل : قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك عند اللّه مثوبة ؟ أنتم ، أي : هم أنتم ، ويدلّ على هذا المعنى قوله بعد : وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا ، فيكون الضمير واحدا ، وجعل هذا هو الذي تقتضيه فصاحة الكلام . وقرأ أبيّ بن كعب وعبد اللّه بن مسعود : « من غضب اللّه عليهم وجعلهم قردة » وهي واضحة . قوله : وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ في هذه الآية أربع وعشرون قراءة ، اثنتان في السبع ، وهما « عَبَدَ الطَّاغُوتَ » على أن « عَبَدَ » فعل ماض مبني للفاعل ، وفيه ضمير يعود على « من » كما تقدم ، وهي قراءة جمهور السبعة غير حمزة . والثانية : « وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ » بضم الباء وفتح الدال وخفض الطاغوت ، وهي قراءة حمزة - رحمه اللّه - والأعمش ويحيى بن وثاب . وتوجيهها كما قال الفارسي وهو أن « عبدا » واحد يراد به الكثرة مثل قوله تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها « 2 » وليس بجمع « عَبَدَ » لأنه ليس في أبنية الجمع مثله قال : « وقد جاء على فعل لأنه بناء يراد به الكثرة والمبالغة في نحو يقظ وندس ، كأنه قد ذهب في عبادة الطاغوت كلّ مذهب ، وبهذا المعنى أجاب الزمخشري أيضا ، قال - رحمه اللّه تعالى - : « معناه الغلوّ في العبودية كقولهم : « رجل حذر وفطن » للبليغ في الحذر والفطنة ، وأنشد لطرفة : 1758 - أبني لبينى إنّ أمّكم * أمة ، وإنّ أباكم عبد « 3 » وقد سبقهما إلى هذا التوجيه أبو إسحاق ، وأبو بكر بن الأنباري ، قال أبو بكر : « وضمّت الباء للمبالغة كقولهم للفطن : « فطن » وللحذر : « حذر » ، يضمّون العين للمبالغة ، قال أوس بن حجر : أبني لبينى إنّ أمّكم * أمة ، وإنّ أباكم عبد فضمّ الباء ، قلت : كذا نسب البيت لابن حجر ، وقد قدّمت أنه لطرفة ، وممّن نسبه لطرفة الشيخ شهاب الدين أبو شامة . وقال أبو إسحاق : « ووجه قراءة حمزة أنّ الاسم بني على فعل كما تقول : « رجل حذر » وتأويله أنه مبالغ في الحذر فتأويل « عَبَدَ » أنّه بلغ الغاية في طاعة الشيطان ، وكأنّ هذا اللفظ لفظ واحد يدلّ على الجمع كما تقول للقوم « عبد العصا » تريد عبيد العصا ، فأخذ أبو عليّ هذا وبسطه بما ذكرته عنه ، ثم قال « وجاز هذا البناء في عبد لأنه في الأصل صفة ، وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء ، لا يزيل ذلك عنه حكم الوصف كالأبطح والأبرق استعملا استعمال الأسماء حتى جمعا جمعها في قولهم : أبارق وأباطح كأجادل جمع الأجدل ، ثم لم يزل ذلك عنهما حكم الصفة ، يدلّك على ذلك منعهم له الصرف كأحمر ، وإذا لم يخرج العبد عن الصفة لم يمتنع أن يبنى بناء الصفات على
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 518 ) . ( 2 ) سورة إبراهيم ، الآية ( 34 ) . ( 3 ) البيت لأوس بن حجر لا كما ذكر المصنف انظر ديوانه ( 21 ) ، اللسان ( عبد ) .