أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

559

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فعل نحو : « يقظ » ، وإنما أشبعت العبارة هنا لأن بعض الناس طعن على هذه القراءة ونسب قارئها إلى الوهم كالفراء والزجاج وأبي عبيد ونصير الرازي « 1 » النحوي صاحب الكسائي . قال الفراء : « إنما يجوز ذلك في ضرورة الشعر - يعني ضمّ باء « عبد » - فأمّا في القراءة فلا » وقال أيضا : « إن تكن لغة مثل حذر وعجل جاز ذلك ، وهو وجه ، وإلّا فلا تجوز في القراءة » . وقال الزجاج : « هذه القراءة ليست بالوجه لأنّ عبدا على فعل ، وهذا ليس من أمثلة الجمع » . وقال أبو عبيد : « إنما معنى العبد عندهم الأعبد ، يريدون خدم الطاغوت ، ولم نجد هذا يصحّ عن أحد من فصحاء العرب أن العبد يقال فيه عبد وإنما هو عبد وأعبد » . وقال نصير الرازي « هذا وهم ممّن قرأ به فليتق اللّه من قرأ به ، وليسأل عنه العلماء حتى يوقف على أنه غير جائز » . قلت : قد سألوا عن ذلك العلماء ووجدوه صحيحا في المعنى بحمد اللّه تعالى ، وإذا تواتر الشيء قرآنا فلا التفات إلى منكره لأنه خفي عنه ما وضح لغيره . وأمّا القراءات الشاذة فقرأ أبيّ : « وعبدوا » بواو الجمع مراعاة لمعنى « من » وهي واضحة . وقرأ الحسن البصري في رواية عبّاد « 2 » : « وعبد الطاغوت » بفتح العين والدال وسكون الباء ونصب التاء من « الطَّاغُوتَ » وخرّجها ابن عطية على وجهين : أحدهما : أنه أراد : « وعبدا الطاغوت » فحذف التنوين من « عبدا » لالتقاء الساكنين كقوله : 1759 - . . . * ولا ذاكر اللّه إلّا قليلا « 3 » والثاني : أنه أراد « وَعَبَدَ » بفتح الباء على أنه فعل ماض كقراءة الجماعة إلا أنه سكّن العين على نحو ما سكّنها في قول الآخر : 1760 - وما كلّ مغبون ولو سلف صفقه * . . . « 4 » بسكون اللام ، ومثله قراءة أبي السمال : « وَلُعِنُوا بِما قالُوا » « 5 » بسكون العين ، قلت : ليس ذلك مثل « لُعِنُوا » لأنّ تخفيف الكسر مقيس بخلاف الفتح ، ومثل « سلف » قول الآخر : 1761 - إنّما شعري ملح * قد خلط بجلجلان « 6 » من حيث إنه خفّف الفتحة . وقال الشيخ « 7 » : - بعد أن حكى التخريج الأول عن ابن عطية - : « وهذا التخريج لا يصحّ لأنّ عبدا لا يمكن أن ينصب الطاغوت ، إذ ليس بمصدر ولا اسم فاعل ، فالتخريج الصحيح أن يكون تخفيفا من « عبد » ك « سلف » في « سلف » . قلت : لو ذكر التخريجين عن ابن عطية ، ثم استشكل الأول لكان إنصافا لئلا يتوهّم أن التخريج الثاني له . ويمكن أن يقال : إنّ « عبدا » لما في لفظه من معنى التذلل والخضوع دلّ على ناصب للطاغوت حذف ، فكأنه قيل : من يعبد هذا العبد ؟ فقيل : يعبد الطاغوت ، وإذا تقرّر أنّ « عَبَدَ » حذف تنوينه فهو

--> ( 1 ) نصير بن يوسف الرازي أخذ عن الكسائي وروى عنه داود بن سليمان توفي سنة ( 240 ) ، انظر غاية النهاية ( 2 / 340 ) . ( 2 ) عباد بن ميسرة المنقري البصري المعلم لين الحديث عابد انظر التقريب ( 1 / 394 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) صدر بيت للأخطل وعجزه : . . . * براجح ما قد فاته برداد انظر ديوانه ( 18 ) . ( 5 ) سورة المائدة ، الآية ( 64 ) . ( 6 ) تقدم . ( 7 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 519 ) .